إيموجا : قرية ممنوعة على الرجال

معالم و حضارات الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
إيموجا : قرية ممنوعة على الرجال

-"النساء زهور الحياة, هن من يجعلن هذا العالم أكثر إشراقا وجمالا, نحن النور, فلنحب بعضنا البعض ولنتحد, وليسمع العالم صوتنا.."

هكذا تكلمت 'ريبيكا لولوسولي' , بعينين لامعتين وصوت ممزوج بالقوة والتعب. لتكون هذه المرأة عنوانا للانتصار والعزيمة, ومثالا حيا للنضال. ولدت 'ريبيكا' في قبيلة سامبورو, شمال كينيا في العام 1962, وتربت داخل محيط مشحون بالعنف والامتهان وتشيييئ للمرأة واعتبارها مخلوق من درجة ثانية. فتنامى غضبها من هذه الممارسات ولم تصمت كما فعل غيرها. تزوجت ريبيكا في سن ال18. لعلها حلمت بواقع أفضل مع زوجها وعائلتها الجديدة.

 

إقرأ أيضا : قصر الحمراء : تاج على رأس غرناطة

 

حياة ريبيكا لولوسولي :

 

واصلت تنديدها بما تتعرض له نساء قريتها والقرى المجاورة من عنف واغتصاب وختان وتزويج مبكر وتشويه لأعضائهن من قبل آبائهن وأزواجهن. ولم تكن تدخر جهدا في فضح هذه الممارسات بكل ما أوتيت من قوة ووسيلة. كما أن التاريخ كان شاهدا على هذه الممارسات إذ مارس الجنود البريطانيين الذين كانوا يتدربون في تلك المنطقة على مدى أكثر من 50 عاما، جرائم اغتصاب للنساء اللاتي كن يعملن في جمع الحطب بالقرب منهم. وبعد تعرضهن للاغتصاب تصبح تلك النسوة مرفوضات من قبل أزواجهن وأسرهن فتُطردن.

 

بالتخلي عنهن تضطرن إلى مواجهة مصيرهن والعمل من أجل البقاء على قيد الحياة. فتُجبرن على العمل في مجال بيع "التشانغا" وهو مشروب يعد بيعه أمراً غير قانونياً-نظرا إلى تردي الأوضاع الاقتصادية¬¬- فينتهي الأمر بهن إما في السجون, أو التشرد, ويبقى أطفالهن بلا مُعيل حتى أن بعضهم يموتون بعدما تنهشهم الضباع.

 

بما أن ريبيكا تعيش داخل مجتمع ذكوري متخلف, لا يمكن أن يتقبل أفكارها ولا صوتها المنادي بحقوق المرأة والكف عن انتهاكها, عنّفوها ومارسوا ضدّها كل أنواع الانتقام من صوتها النضالي الحر الذي كان يزعج آذانهم الصماء. جرى كل ذلك على مرآى زوجها الذي لم يحرك ساكنا, كيف يفعل وهو جزء من هذه المنظومة المتعفنة. بعد أن تعافت ريبيكا من آثار التعنيف الذي ألزمها فراش المستشفى لأيام, قررت أن تترك زوجها الذي خذلها في الوقت الذي كانت تحتاج فيه إليه.

 

قررت أن تهجره لا هجرا جميلا, بل هجرا فيه عزم على الأخذ بثأرها وثأر كل طفلة وفتاة وإمرأة عانت من طغيان عائلتها التي زوجتها وهي طفلة مازالت تحمل في يدها دميتها, أو شوهت جسدها بالختان, ومن زوج عاقبها على اغتصاب رجل آخر لها, عاقبها لذنب لم تقترفه, وهو في الحقيقة عاقب نفسه فيها وعاقب عجزه.

 

سيدة إيموجا الاولى :

 

هجرت ريبيكا مجتمعها ذاك ومعها أبنائها, لتؤسس مجتمعا آخر جديد لا ضرب فيه ولا دموع ولا.. رجال. إنها ريبيكا سيدة "إيموجا" الأولى. كان ذلك في العام 1990, حين عزمت ريبيكا ومعها نساء أخر, كن سبع نساء ممن ذقن ذرعا من عذاب آبائهن وأزواجهن, على العيش معا ومع أطفالهن في مكان معزول عن أي رجل.

 

تأسيس إيموجا :

 

فاتخذن أرضا غير بعيدة عن قبائلهن, على أرض سامبورو. وأسسن قريتهن الجديدة: إيموجا. وهي تسمية تعني في اللغة السواحيلية(اللغة الرسمية في كينيا) إتحاد. معبرة عن استعداد هؤلاء النسوة للاتحاد مع بعضهن والصمود من أجل قضيتهن وعدم السماح لأي أحد بإيذائهن.

سرعان ما تطورت القرية بفضل مجهودات النساء اللاتي عملن على صنع الحلي التقليدي وبيعه للسياح المارين على طريق القرية. وكن يشترين ما يحتجنه من الغذاء والمستحقات لجميعهن دون استثناء. أصبحت القرية مزارا للسياح الذين سمعوا عن قصتها. وبما أن القرية ممنوعة عن الرجال فإن الدخول إليها كان يتم بتصريح وكثير من الإجراءات حماية لساكنات القرية.

 

إقرأ أيضا : المرأة و الفساد الأخلاقي , الرابط العجيب

 

إذ لم تسلم المتساكنات في البداية من شر الذكور الذين كانوا يهجمون على القرية و يعتدوا عليهن. ومع تزايد عدد النساء الملتحقات بالقرية اشتد اتحادهن ولحمتهن ولم يعد بإمكان أي أحد إلحاق الأذى بهن حيث كن تمسكن بأسلحتهن وعصيهن وترددن الفعل على المعتدين.

 

ساعدت العديد من المنظمات في كينيا وخارجها حول العالم, نساء قرية إيموجا, اللاتي حين تحسنت أوضاعهن أقمن مدرسة لتعليم الأطفال. تقول ريبيكا حين سُألت عما إذا كانت نقمتها على الرجال ستؤثر على الأولاد الصغار والأطفال.. : "نحن نُعلم الأطفال كيف يحترمون المرأة, أمهاتهن وأخواتهن, إنهم صغار لا ذنب لهم فيما حدث" تتوفر في القرية اليوم وبفضل الدعم, كل مقومات الحياة تقريبا, مدرسة ,مركز صحي, ميزانية تضعها النساء لتلبية احتياجاتهن وهي اليوم واجهة سياحية جذبت أنظار العالم لأنها مثال حي عن مقاومة النساء وقوتهن وصمودهن.

 

لله درّهُن, نساء صنعن من عذابهن المعجزات, لم تقفن ولم تستسلمن أمام طغيان الأب والزوج, بل اخترن الطريق الأصعب, وهو تأسيس حياة لهن, حياة تليق بهن, بكيانهن, وبأطفالهن.

 

إقرأ أيضا : "زها حديد"، اسم على مُسمَّى

شارك المقال

ماذا تعرف عن "إيموجا : قرية ممنوعة على الرجال" شاركنا بها في التعليقات

انا تلك التي
...التي، حين تقرأ العنوان سيأخذك فكرك إلى تلك وتلك و تلك... و سيأخذني فكري الى الأنا خاصتي التي لا يشب ...

عرض المزيد ...

نِسَاءُ كَتَبْنَ التَّارِيخَ : السيّدة عائشة
لا مجد للحضارات من دون وجود النساء ، فالنساء دعم دائم و مستمر ، حيث لا يخلو التاريخ البشري من بصمة ...

عرض المزيد ...