البوتوكس بين الخدعة والعلاج

علوم الجمعة 24 ديسمبر 2021
البوتوكس بين الخدعة والعلاج

مادة من أخطر المواد التي عرفها الإنسان، كميات قليلة جدا منها (ميكروغرام واحد منها) كافية للقضاء على حياة شخض بالغ. أما أربعين غراما منها فقادرة على إنهاء حياة كل البشر على الأرض. ورغم ذلك، رغم خطورة وفداحة هذه المادة، فقد حقن بها سنة 2018 ما يقارب سبعة ملايين شخص في الولايات المتحدة الأمريكية فقط و بكامل إرادتهم بل فعلوا ذلك مقابل أجر مالي. إنه سم البوتيلينيوم أو  Botulinum Toxin.

   

لا بد أنك تتساءل عزيزي القارئ حول العلاقة بين عنوان المقال: "البوتوكس" وبين ال "Botulinum Toxin"، حسنا لنفسر : إن لفظة "بوتوكس" أو "Botox" هي كلمة مختصرة للفظة " Botulinum Toxin " بأخذ أول حرفين من الكلمة الأولى Bo والثلاثة حروف الأولى من الكلمة الثانية Tox وبذلك نتحصل على كلمة "Botox".

سنعود بالنظر الى تاريخ ظهور  هذه المادة وما تأثير هذه المادة على جسم الإنسان، وإن كانت مُستخرَجة من مادة خطرة فكيف يقع استعمالها اليوم في مجال الطب التجميلي؟ 

 

تاريخ البوتوكس:

 

في أواخر القرن الثامن عشر، في أوروبا وبالتحديد في ألمانيا. كان السُجُق أحد االأكلات الشعبية التي يُقبل الناس على استهلاكها بكثرة. وفي فترة ما، بدأت تظهر حالات تسمم على الأشخاص الذين تناولوا الأكلة، فسُميت هذه الحالة حالة تسمم السجق . ونظرا لتواضع الطب لم يفهم الأطباء السبب في حالات التسمم.

 

بكتيريا Botulinum :

 

بعد مرور سنوات، حتى أواخر القرن التاسع عشر تحديدا سنة 1895، اكتشف عالم ميكروبيولوجي بلجيكي بعد إخضاعه السجق للاختبار الطبي أن هناك كائن غريب يعيش داخل قطعة السجق مفرزا سموما فيها. واستنتج بعد كثير من التحاليل والتجارب المخبرية أن هذا الكائن هو المسؤول عن حالات التسمم التي كانت تودي بحياة مستهلكي هذه الأكلة. وسمي هذا الكائن وهي تسمية لاتينية تعني "Bacillus Botulinus" سم السجق.

 

بعد دراسة هذه المادة السامة، اكتشف العلماء أنها لا تعيش في السجق فقط بل في كل الأماكن اللاهوائية أي تلك التي تنعدم فيها التهوئة القائمة أساسا على الأكسجين أو التي تكون فيها نسبة الأكسجين منخفضة. كما تتواجد في معلبات الأطعمة الجاهزة وعلب حفظ الطعام والقوارير المغلقة لمدة طويلة والتي تنخفض فيها معدلات الأكسجين، كما تعيش كذلك في عسل النحل، لذلك ينصح بعدم تناوله من قبل الأطفال تحت سن السنة لأنهم غير قادرين على التغلب على حالة التسمم.

 

إقرأ أيضا :  الكتابة، من النّشوء إلى الارتقاء...

 

أعراض البكتيريا على الجسم :

 

بعد دخولها لجسم الإنسان عبر الطرق التي ذكرناها، وخلال ساعات قليلة تتراوح بين الإثني عشر إلى ست وثلاثين ساعة، تبدأ أعراض التسمم بالظهور وهي:

الغثيان والتقيؤ، آلام البطن، تشوش الرؤية، ارتخاء الجفون، ارتباك الكلام، شلل كامل لعضلات الجسم، منها عضلات البلع وعضلات التنفس الذي يؤدي إلى توقف التنفس مما يستدعي تدخلا طبيا طارئا. وإذا لم يقع التدخل الفوري يمكن أن يؤدي ذلك إلى الوفاة.

 

إكتشاف 1988 :

 

في هذه السنة تعرض أحد الأشخاص لجرعة مخففة من السمّ، أثناء علاجه من التسمم لاحظ الأطباء أن الخطوط التعبيرية في وجه المصاب وبعض التجاعيد قد اختفت. بعد التثبت، اكتشفوا أن السم يعطل وظيفة بعض الخلايا في الجهاز العصبي. مما ينجر عنه تعطيل التيار العصبي في الأعصاب. وللتبسيط، هذه البكتيريا تقف حاجزا دون وصول الإشارات العصبية من الدماغ إلى العضلات لتتحرك وتقوم بوظائفها والتي تتأثر بالضرورة بالعامل الزمني وعوامل أخرى. وبالتالي تصاب العضلات بالشلل بسبب عجزها عن تأدية مهامها وارتخائها وعدم استجابتها لتعليمات الدماغ.

 

هذه الظاهرة لفتت إنتباه الطب التجميلي وبُدأ التفكير في استعمال هذه المادة على الوجه ومحاربة علامات التقدم في السن من خلال حقن مادة البوتوكس أو لتعطيل وظيفة الخلايا المسؤولة على العامل الزمني وبالتالي المسؤولة عن ظهور التجاعيد. وهكذا بدأ العزم على إدراج مادة Botox في الطب التجميلي بالأساس كوسيلة لمحاربة علامات التقدم في السن وإضفاء لمسة شبابية على الوجه. ولكن كيف سيقع إقناع الرأي العام بأن هذه المادة السامة التي قتلت وتقتل الكثير من البشر، ستصبح دواء يقع اعتماده في عمليات التجميل. الإجابة هي تغيير إسم المادة من إلى. وبذلك يقع محوُ صورة السم من الذاكرة البشرية وبمرور الوقت يقع استحضاره كعلاج سحري للحفاظ على نظارة البشرة. لقد كانت هذه استراتيجية ناجحة لأصحاب التسويق والأعمال.

 

إقرأ أيضا : تونس الخضراء : 3000 سنة من الحضارة

 

السمّ الدواء :

 

لقد كان عجيبا، استخدام سُم الطبيعة في أغراض علاجية. لا في الطب التجميلي فحسب بل في الطب العلاجي أيضا. فقد وقع استخدامه في بعض حالات حَوَل العيون، حيث أنه يوقف عضلات العين المسؤولة عن الحركة والتي تشد العين إلى اتجاهات مختلفة. فيساعدها على الثبات. يواصل البوتوكس رحلة نجاحه حتى يحرز على تصريح من منظمة الغذاء والدواء سنة 1989. وتتنوع استعمالاته غير مقتصر على الطب التجميلي، فيقع استخدامه لإصلاح بعض العيوب الخلقية عند الأطفال والتوتر والتشنجات في عضلات الرقبة والعمود الفقري والتهابات الحنجرة التي تتسبب في إحداث صعوبات الكلام وتشنجات المريء التي تؤدي إلى صعوبات في البلع وفشل عضلات عنق الرحم التي تضعف احتمالات الولادة الطبيعية. والكثير من المشاكل الصحية التي تجاوزت ال150 عارض صحي، أثبت البوتوكس أو سم البوتولينيوم أنه يساعد على تخفيفها والتخلص منها.

 

إن التعرض إلى تاريخ البوتوكس ومراحل استخدامه و الأهم المادة الأصلية التي أُستخرج منها، أُستخدِمَ كدليل واضح على عبقرية الإنسان وعظمة الطبيعة على حد السواء. إذ لمن المذهل أن تتحوّل بكتيريا سامّة ينتجها كائن لا يتحمل الأكسجين ليستخدمها في تحليل الأجسام، إلى مادة علاجية تستعمل لعلاج الكثير من الأمراض والحالات الصحيّة الطارئة مع بعض التحويرات من قبيل التحكم في كمياتها. ومن الضروري التنويه إلى أن الأغذية المذكورة في المقال على أنها موطن وجود مادة البوتولينيوم السامة لا يعني منع تناولها ولا إشكال في استهلاكها، بل وجب التأكد من حسن تخزينها والتثبت من تاريخ صلوحيتها ونظافتها لأن عكس ذلك هو ما يسبب مشاكل صحية إلى جانب الحرص على تطهير الجروح الملوثة لأنها يمكن أن تكون منفذا للبكتيريا.

 

إقرأ أيضا : ممفيس المدينة الفرعونيّة الضائعة

 

 

شارك المقال

ماذا تعرف عن "البوتوكس بين الخدعة والعلاج" شاركنا بها في التعليقات

زولغينسما "zolgensma" أغلى دواء بالعالم !
صنّفت شركة الأدوية السويسرية العملاقة " نوفارتيس" ( هي أحد أكبر الشركات متعددة الجنسيات المصنّعة ...

عرض المزيد ...

تطور مفهوم الصحة عبر الزمن
بالنظر إلى الأحداث التي يعيشها العالم في وقتنا الحالي: حروب ونزاعات وصراعات سياسية وإقتصادية ولعل ...

عرض المزيد ...