تطوّر تعريف الموت مع تطوّر الطبّ

علوم الخميس 30 سبتمبر 2021
تطوّر تعريف الموت مع تطوّر الطبّ

" توقف القلب عن النبض, توقف الجسم عن الحركة, توقف التنفس, هدوء سرمدي مستمر غير منقطع ينبأ برحيل لا رجعة فيه.. "، لم يكن تعريف الموت أمرا سهلا على مرّ التاريخ. بل و كان مُحيرا للبشر مُباغتا لهم. فاختلفت طرق التعامل معه وتعددت تعريفاته. وقد تميز القرنين 18 و19 بظهور نظريات مختلفة في تحديد مفهوم الموت. ومن أبرزها تلك التي ظهرت في القرن 18 التي عرّفت الموت بأنّه " توقف القلب والرئتين عن النبض والتنفس". وقد كان هذا مفهوما وجيها للموت حيث أن تأثير توقف القلب والرئتين كان واضحا جدا على باقي أعضاء الجسم التي سرعان ما يلحقها التلف وتتوقف عن تأدية مهامها.

سنة 1846, ومع اختراع السماعة الطبية أقرّ الطبيب الفرنسي "إيجان بوشوت" أنه إن لم يقع سماع نبض الشخص لمدة دقيقتان فهذا يعني أنه فارق الحياة وبالإمكان إعلان ذلك قانونيا. واعتُبرت هذه الطريقة الأفضل لتأكيد الوفاة وتفادي أي خطأ أو خلط بين حياة أو موت الشخص.

في بدايات القرن 20, بدأت الكهرباء تدخل البيوت الأمريكية. ونظرا لحداثة هذا الاختراع الذي أضاء المنازل كما العقول وتواضع المعرفة به, حدثت سلسلة من حوادث الصعق الكهربائي في صفوف العمّال الذين أُوكلت إليهم مهمة توصيل الكهرباء والتي كانت تُودي بحياتهم على الفور وسُميت حالة الوفاة هذه بالسكتة القلبية.

لفتت هذه الحوادث نظر مهندس الكهرباء "ويليام كووينهوفن" وتساءل حول العلاقة بين الصعقة الكهربائية والقلب ومدى تأثيرها فيه. فإن كانت هذه الصعقة- القوية والمفاجئة للجسم وأعضائه- كافية لتُوقف نبضات القلب وتتسبب في موت الشخص ونهاية حياته, فهل التحكم في قوة هذه الصعقة ونسبتها وطريقة إيصالها للجسم من شأنه أن يوقظ سكوت القلب ويساعده على النبض من جديد وبالتالي استمرار الحياة؟

هكذا تواترت الأسئلة وتواردت الفرضيات على المهندس "كووينهوفن" على مدار سنين وأقام تجاربه على فئران وكلاب التجارب مع فريق من الأطباء والمختصين للبحث عن علاقة التيار الكهربائي بالقلب. حتى توصلوا إلى طريقة إنعاش القلب يدويا عن طريق الضغط على الصدر على مستوى القلب لمساعدته على التحرك والعودة إلى النبض من جديد. ثم ومع التطور وقع اختراع جهاز يقوم بإيصال شحنات كهربائية للقلب بشكل دقيق وبنسب محددة تساعده على العودة إلى نسق النبض الطبيعي.

سنة 1957, وللمرة الأولى وقع تطبيق هذه التجربة على البشر. ومن المهم الإشارة إلى أن عودة القلب للنبض أي لتأدية وظائفه الطبيعية لا يعني فقط إعادة الجسم بمختلف أعضائه إلى الحركة والحياة بل إعادة النظر في مفهوم الموت في حد ذاته أيضا. وبشكل أدق: توقف القلب عن النبض والرئتين عن التنفس لا يعني حتمية الموت, بل تبقى إمكانية عودتهما إلى العمل واردة. وبفضل طوفان الاختراعات الطبية المساعدة على "استمرار الحياة" كأجهزة التنفس الميكانيكية وأنابيب التغذية والأسطرة وأجهزة غسيل الكلى تغيرت المفاهيم حول الموت وتوقف الحياة والعجز والقصور. بل وتعزز الحذر من التسرع في إعلان الوفاة قبل إخضاع الجسم لأحد هذه الأجهزة ومساعدة الأعضاء المسؤولة على العودة من جديد للقيام بوظائفها.

لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد, فعلى إثر هذه الصحوة العلمية, وبدايات التعامل معها ظهرت في المستشفيات حالات مرضية كانت مريبة حيث يتوقف النبض أو التنفس لا لقصور القلب أو الرئتين أو أي عضو آخر في الجسم بل لضرر في الدماغ. حيث أنه أي ضرر يلحق بمنطقة جذع الدماغ وهو من المناطق المسؤولة على تنظيم عملية التنفس قادر على تعطيل وظيفة الرئتين أو القلب أو كلاهما. في هذه الحالة يصبح من غير الممكن إخضاع الجسم لشحنات كهربائية لأن مفعولها غير سار على الجهاز العصبي. وقد سميت هذه الحالة في القاموس الطبي ب"ما بعد الغيبوبة" وهي حالة محشورة بين الغيبوبة والموت, أي هي تفوق الغيبوبة في خطورتها ولكنها لا تبلغ الموت. بمعنى آخر نحن أمام جسد قابع في فلك الفاصل بين الحياة والموت, جسد سليم عضويا ولكنه تالف في جزئه العصبي, حالة تجعله في مرحلة بين المرحلتين, الحياة والموت. يحدث هذا في ظل موجة الاختراعات والتطور العلمي والطبي ونقل الأعضاء. مما ساهم في مراجعة مفهوم الموت الذي لم يعد مرتبطا بتوقف القلب والرئة عن وظائفهما فقط.

سنة 1968 وعلى إثر إنعقاد لجنة علمية مكونة من أطباء ومختصين في جامعة هارفارد, وضع مفهوم جديد للموت هو :"توقف لا رجوع فيه لجميع وظائف الدماغ بأكمله, بما في ذلك منطقة جذع الدماغ" وقد تعددت على إثر هذا المفهوم بروتوكولات التعامل مع الموت الدماغي, والتي كانت غايتها إعلان الوفاة دون أي مدعاة للشك وبتأكيد أخلاقي وطبي وقانوني. في الحقيقة,إن الأخذ بجوانب هذا الموضوع: الموت ومحاولة وضع تعريف له لم يعد سهلا أو هو لم يكن سهلا حتى في الماضي وهذا أكده التقدم العلمي والتكنولوجي. ولكنه يبقى موضوعا معلقا على ناصية الزمان والمكان خاضعا للدين والعلم والقانون والنواميس الاجتماعية.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "تطوّر تعريف الموت مع تطوّر الطبّ" شاركنا بها في التعليقات

زولغينسما "zolgensma" أغلى دواء بالعالم !
صنّفت شركة الأدوية السويسرية العملاقة " نوفارتيس" ( هي أحد أكبر الشركات متعددة الجنسيات المصنّعة ...

عرض المزيد ...

النجوم، من الحاضنة السديمية إلى الفناء
أبدع الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وترتيب سيرورته وحركة مكوّناته بنظام مُحكم ودقّة عجيبة يقف الإدراك ال ...

عرض المزيد ...