العلاج بالوهم: كيف ذلك ؟

بحوث الاثنين 25 أكتوبر 2021
العلاج بالوهم: كيف ذلك ؟

بعض الحساء الساخن, أو بعض الليمون مع الزيت مفيد جدا لنزلات البرد. أمي, لها طبيبها الخاص الذي لا تغيره مهما حدث, ولا تحس بأنها أفضل إلا حين تعتاده في عيادته. الشاي الأخضر أو بعض الأعشاب مفيدة للاسترخاء والراحة.

 

كثيرا ما نعيش هذه الحالات وغيرها , نحن , فرد من أسرتنا, أصدقائنا, زملائنا في العمل.. ولكن هل سبق وأن طرحنا السؤال الأهم: هل يحتوي الحساء الساخن على مادة مكافحة للفيروس ؟ ولعل طبيب الوالدة ليس هو الأفضل في مجاله أو لعله لا يقدم شيئا مميزا عن غيره. حالات التعب والوهن هل فعلا نحتاج فيها إلى الشاي الأخضر أم أنها ربما إنذار لعارض صحي ما؟ بم نفسر إذن حالات الراحة والرضا التي يعيشها هؤلاء بعد الخضوع لإحدى هذه التجارب وغيرها؟

 

تؤكد المنظومة الطبية أن نزلات البرد التقليدية وبعض حالات التسمم الغذائي وحالات الصداع.. كلها حالات مرضية محدودة وزائلة, يمكن أن تمتد على ساعات أو بضع أيام ولكن الجسم قادر على التغلب عليها دون الحاجة إلى تدخل خارجي متمثل في الدواء مثلا.

 

في تلك الأثناء أي في المدة الزمنية الفاصلة بين الألم وبين الشفاء يقع تناول ما ذكرنا من بعض الأطعمة أو المشروبات الساخنة التي يُزعم أنها هي ما يسرّع عملية الشفاء حتى أنها هي التي تضمنه. في حين أن كل ذلك كان صدفة لأن في الحالات التي ذكرنا تكون مدة الشفاء مضمونة ولكنها تستغرق ساعات أو أيام معدودة والجسم قادر على التغلب عليها دون أي تدخل.

 

هذا بالإضافة إلى أن بعض الأمراض المزمنة كأمراض المناعة الذاتية والإكتئاب والتي تكون عبارة عن نوبات من التحسن والتدهور حين يتعاطى المريض- وهو في أقصى درجات ألمه الذي سيتبعه آليا حالة تحسن- أي من المسكنات الغذائية أو حبة براسيتامول و يتحسن, يبدو الأمر وكأن الفضل يعود للمسكن,فتترسخ عقلية المسكنات الطبيعية التي لها اللمسة السحرية المخلصة من الألم.

 

إحدى قصص"الحلول الوهمية"التي حدثت في القرن 18: زعم فيها طبيب أمريكي يدعى "Elisha Perkins" أنه قد توصل إلى اختراع متمثل في إبرة معدنية بمجرد أن يُحدث بها شرخا في الجسم حتى يخرج المرض فورا. وادعى "perkins" أن هذه الإبرة مصنوعة من معدن خاص ونادر فكان يبيعها بمبالغ ثمينة وكان الإقبال عليها كبيرا.

 

أثارت هذه الإبرة ومخترعها شك الطبيب الإنجليزي "John Haygarth" فبدأ بالبحث عما وراء هذه الظاهرة وتفسيرها. فما كان منه إلا أن صنع بدوره إبرة شبيهة بها ولكنها مصنوعة من الخشب هذه المرة. وبدأ بإيهام الناس أن لها نفس مفعول الإبرة الأولى بل وأكثر نجاعة منها لأنها مصنوعة من مادة مختلفة. "هاجراث" كان يعلم أنه لا الإبرة التي صنعها ولا إبرة "perkins" لها أي مفعول و لكنه قام بهذه التجربة ليجيب عن سؤال : لِمَ يتحسّن المريض؟ و ليؤكد بالتالي أنّ تفاعل المريض مع الإبرة كان تفاعلا نفسيا لا عضويا, فالإبرة ليس لها أي مفعول عضوي ولكن لها مفعول نفسي هائل لأن المريض يؤمن بفكرة أنها هي الدواء لمرضه. في أواخر القرن 19 وبداية القرن 20, تواترت الأسئلة حول:

هل هناك فعلا أدوية شافية أم أننا نتوهم ذلك؟ هل فعلا نحن نشفى حين نتناول الأدوية والعقاقير أم أن فكرة الشفاء في حد ذاتها فكرة خيالية يجب الإيمان بها حتى يتحقق؟ وللحصول على إجابة مقنعة أُقيمت التجربة التالية: وقع تقسيم مجموعتان من المرضى المصابين بالذبحة الصدرية, قُدّم للمجموعة الأولى الـأدوية الفعالة والمناسب للمرض( Vitamin E/Khellin..) والتقارير أثبتت أن من 80 إلى 90% من المرضى كانوا يتحسنون بفضلها. أما المجموعة الثانية فقد قُدّم لها علاج وهمي كالماء أو بعض السوائل.

 

النتائج أثبتت أن كلا المجموعتين تجاوبت مع العلاج الوهمي منه والحقيقي بنفس الدرجة وهو ما أثبتته التقارير الطبية. أهم مُخرجات هذه التجربة كانت أن المريض يُشفى ليس بمفعول حبة الدواء بل بسبب الوهم بأنه يتعاطى الدواء. والأكثر إذهالا هو أن الوهم أو الرغبة في الشفاء أو الإيمان بالعلاج أو الاعتقاد بحتمية العلاج قادر وبنسبة كبيرة على القضاء على الألم وتسريع العلاج. لنذهب إلى أبعد من ذلك: ضمان العلاج مرتبط بشكل أساسي بالاستجابة للمعنى, لمعنى العلاج لا للعلاج في حد ذاته.

 

 استخدام الوهم كآلية أو طريقة للعلاج, تعرّض لمساءلات بدوره: عن مدى نجاعته؟ وهل يستجيب للنواميس الأخلاقية والعلمية؟ وأن يقع إقحام المريض في حالة من الوهم بأنه يتعالج وأنه قابل للشفاء أو أن عملية شفائه حتمية؟ ولكنه يبقى آلية محمودة باعتبارها وهما إيجابيا غايته مساعدة المريض على تخطي مشاكله الصحية لا غير.

 

إقرأ أيضا :

مملكة النباتات: التداوي بلا دواء

النوم : ترياق العقل والجسد

شارك المقال

ماذا تعرف عن "العلاج بالوهم: كيف ذلك ؟" شاركنا بها في التعليقات

قرطاج : أُولى الجمهوريات..
قبل 8 قرون قبل الميلاد, هربت الملكة الفينيقية "أليسار" من مدينتها الأم 'صور' على الساحل اللبناني لتنز ...

عرض المزيد ...

الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..
لم تستطع أيّ دولة في الْعالم الْحدّ من الْعُنْف رغم تُرَسَانَة الْقوانين والْعقوبات الرّدْعيّة التي تعتمدها، والتي ...

عرض المزيد ...