الخط العربي: كلمات على جدار الصمت

أدب و فنّ الجمعة 05 فبراير 2021
الخط العربي: كلمات على جدار الصمت

الحضارة العربيّة الإسلامية حضارة تمزج بين العقل والروح، وان كانت قد أضافت الكثير إلى الحضارة الإنسانية فيما يتّصل بالتفكير العلمي نظريا وعمليا فإنها قد أبدعت وأجادت في مجال الأدب والفنّ، وهو ما جعلها حضارة رائدة لها مساهمة هامّة في إثراء الإنسانيّة.

و لئن كان الادب أحد أشكال التعبير الإنساني عن مجمل عواطف الإنسان وافكاره وخواطره وهواجسه بأرقى الأساليب الكتابية المتنوعة، فان الفن لغة ابداعية متسلحة بالجمال من اجل التعبير عن مكنونات النفس وخواطر العقل في مشاهد بصرية، سمعية او حركية. في مزيج بين هذا وذاك، و بين الهيبة والجلال، يظهر فن الخط العربي في لوحة فنية مبهرة يتعانق فيها كل من الادب والفن لتكون الكلمة فنا مرئيا للمرة الأولى على مر العصور. حيث لم تعرف في التاريخ حضارة تكرّم القلم والحرف كما كرمتهما حضارة الإسلام، واستطاع فنانو الخط أن يزاوجوا بين المعنى والشكل ببراعة لا مثيل لها، وأن يبعثوا في رسم الكلمات روحا شفّافا يتراءى بين الحروف لتصبح الجملة المكتوبة آية يموج فيها الجمال.

ليس من قبيل المصادفة البحتة أن يكون ذكر القلم والكتابة في أول آيات تنزل من القرآن الكريم على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال الله تعالى:﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ • الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴾[العلق: 3، 4]، وهي آية تحث على طلب العلم والقراءة والكتابة. اقتداء بهذه الآية وغيرها من الآيات التي تاكد على توثيق الدين، جمع الخليفة عثمان رضي الله عنه المصحف الشريف وأرسل نسخا منه إلى الأمصار، فأقبل المسلمون على هذه المصاحف بحب وشغف، وتنافسوا في نسخها وتحسين صورة كتابتها وتنميق حروفها. في هذه المرحلة خلت المصاحف العثمانية من النقط والشكل وعندما فشا اللحن بدخول الأعاجم في الإسلام طرأت إصلاحات الشكل والنقط للحفاظ على سلامة اللغة العربية.

لقد انتشرت الكتابة العربية بين المسلمين وشاعت مع الفتوحات الاسلامية، وتقبلتها البلدان المفتوحة مع الدين الإسلامي في مشارق الأرض ومغاربها، وتطورت مسيرة الكتابة العربية بعد أن غدت خطا مميزا على أيدي الائمة الكبار من أمثال الإمام المهندس ابن مقلة؛ وهو أبو علي محمد بن علي بن الحسين بن مقلة الشيرازي، (ولد عام 272 هـ \ 886 م في بغداد وتوفي بها 939 م \ 328هـ)، وقد كان من أشهر خطاطي العصر العباسي وأول من وضع أسس مكتوبة للخط العربي، ويعتقد أنه مخترع خط الثلث.

تواصلت الجهود العربية في الحضارة الإسلامية في تحسين الخطوط وتليين حروفها وابتكار أنواعها. ولا دليل أجدر من تعدد الأنواع وكثرتها على عناية المسلمين بهذا الفن الأصيل، نذكر منها: الخط الكوفي، الخط النسخي، خط الثلث، الخط الاندلسي، خط الرقعة، الخط الديواني، خط التعليق (الفارسي)، خط الاجازة. وقد تفرع عن هذه الخطوط فروع أخرى مما زاد هذا الفن توسعا وثراء، فقد تفرع عن الكوفي مثلا: الكوفي المورق، الكوفي المزهر، الكوفي المنحصر، الكوفي المعشق أو المظفر أو الموشح.

بلغ فن الخط ذروته من الابداع، حيث تم الاتجاه بالحرف إلى آفاق جديدة؛ فأصبح أداة لفن تشكيلي، ومادة فعالة أثبتت قدرتها على العطاء، فما ان تقع عينك على اللوحة حتى تجد نفسك في حضرة رسم تشخيصي لهيئة ما (طائر، حيوان، فاكهة، قنديل…)، لكنك إذا ما تمعنت في خبايا تفاصيله تجد أن التشكيل لم يكن غير كلمات وأحرف عربية أبدع الفنان في توظيفها وتصويرها وغالبا ما يكون معناها وثيق الصلة بالشكل الظاهر، لتكون لغة بليغة ومعبرة بلسان فصيح وبيان حسن حتى في اقصى درجات الصمت، وهنا يكمن الإبداع.

نظرا لقابلية الحروف وطواعيتها فهي قادرة على أن تحتفظ بالجمالية، مهما كان رسمها أو صورتها، فخرجت الخطوط العربية عن مجرد الكتابة على الورق والتعبير لنراها تزين جدران القصور واقواس الأبواب لتضفي الروح على العمارة الإسلامية وتزيدها تفردا. لتمتد افاقها فيما بعد ونراها تزين اللوحات الجدارية، الاواني وتحف الزينة وحتى الاقمشة. لتحمل العبارات المكتوبة اسمى الرسائل والمعاني بين ثناياها، منددة بتالق الاصالة العربية اينما حلت.

اللغة العربية بثراء احرفها، جذورها وعباراتها تطغى على كل لغات العالم، نبع نابض لا يجف بل يزداد جمالا وازدهارا يوما بعد يوم، حيث ان عدد متعلمي اللغة العربية حول العالم في ارتفاع دائم والاهتمام بالحرف العربي يشهد انتعاشة كبيرة في الآونة الأخيرة.

يتجلى هذا الاهتمام في العديد من التظاهرات على راسها مسابقة تقام في الشهر الحالي من كل سنة تحت مسمى "حبراير" (حبر في فبراير)، وهو تحدي فني على مدار الـ 28 يوم من شهر فبراير كل عام هدفه الأكبر والأهم هو التمرن وتحسين المستوى الفني الشخصي. وهذا التحدي موجه لكل فناني المحتوى العربي بشكل عام، وفناني التايبوجرافي العربي والخط العربي بشكل خاص حول العالم. لنرى الخط العربي في حلة جديدة قد خرج فيها عن المالوف مواكبا التطور التكنولوجي فتكتب الكلمات باستعمال تقنيات الحاسوب الاكثر حداثة، وتزين ارجاء مواقع التواصل الاجتماعي طيلة الشهر.

لم يسبق للكلمة أن كانت فنا مرئيا في أمة من الأمم قبل نزول القرآن الكريم، وإذا كان لكل أمة لغتها، ولها كتاباتها، فإن هذه الكتابات ظلت في وظيفتها التعبيرية، باعتبارها رموزا منطقية لمعان يراد التعبير عنها، ولكن لم يحدث أن ارتفعت هذه الرموز وارتقت لتصبح فنا جماليا، كما حدث للكلمة العربية بعد أن أضفى عليها القرآن الكريم رداء قداسته، لتبقى اللغة العربية نجما ساطعا في سماء لغات العالم.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الخط العربي: كلمات على جدار الصمت" شاركنا بها في التعليقات

مسلسل la casa de papel عمل رديئ أم تحفة ؟
عالم المسلسلات التلفزيّة , عالم غزير الإنتاج خاصّة في 10 سنوات الأخيرة حيث شهدت الساحة التلفزيّة ....

عرض المزيد ...

الكاتب العظيم فيودور دوستويفسكي
لطالما كان الأدب محاكاة للواقع مع رؤية فنيّة للكاتب، مزيج رائع تُخط به القصص القصيرة ، الروايات و الكتب

عرض المزيد ...