الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع

قضايا المجتمع الثلاثاء 09 فبراير 2021
الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع

يقول المولى عز وجل تعبيرا على مدى أهمية الاسرة:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آَتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾[الأعراف: 189].

بينت الآية الكريمة أن الله تعالى خلقكم من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام وجعل منها زوجها حواء ليأوي إليها. تجمعهما علاقة فطرية تكاملية بين زوجين رجل وامرأة، أصبحا أبا وأما وكونا أسرة بشرية كانت الوحدة الأولى في بناء المجتمع البشري.

انطلقت الحياة البشرية من تلك الأسرة الواحدة وتفرعت منها أسر متعددة تجمع بينها علاقات الأصل الواحد وعلاقات القرابة بين الأسر، ومن هذه الأسر تكونت الشعوب والقبائل والأمم. وكانت هذه هي السنة الإلهية التي فطر الله الناس عليها؛ لإعمار الأرض وتحقيق الاستخلاف فيها. ومنذ تلك البداية والأسرة هي وحدة البناء الأساسية الكفيلة بحماية المقومات الأساسية التي تعطي للمجتمع خصائصه البشرية العامة، وهويته القومية أو العرقية أو الدينية الخاصة.

إن الأسرة هي النواة الأولى في بناء المجتمع، في ظلها يتربى الفرد الصالح وتنمو المشاعر الصالحة، مشاعر الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة ويتعلم الناس التعاون على الخير وعلى البر، حيث تعمل على غرس القيم الحميدة، والفضائل الخلقية داخل الفرد. على الرغم من أنها وحدة اجتماعية صغيرة إلا أنها أساس وجود المجتمع وأقوى نظمه، فهي المهد الحقيقي للطبيعة الإنسانية.

لئن كانت الاسرة هي لبنة الأساس التي يتكون منها صرح الدولة فانه بمقدار ما تكون عليه من قوة، او ما تقوم عليه من قيم، بمقدار ما يتوفر للدولة من قوة وهيبة، وما يسود مجتمعها من خلق وفضيلة.

وبعكس ذلك، إذا تطرق الفساد الى الاسرة وتفككت اوصالها، كان له صداه في الدولة باسرها، وكان له أعمق الأثر في تحلل مجتمعها واضطراب مكوناتها. حيث إن قوة وضعف المجتمع تقاس بناء على تماسك الأسرة أو ضعفها، وصلاح المجتمع أو فساده يتعلّق بالأسرة.

حظيت الاسرة في دولة الإسلام بقسط وافر من عناية شريعتها يناسب أهميتها في كيان المجتمع وأثرها في حياة الامة ومستقبلها، وبين كل ما يتصل بتكوينها من الاحكام والواجبات وما تقوم عليه من التقاليد والآداب، وما يكفل سلامتها من الفتن والخلافات، ويوفر لها الحماية من عوامل التحلل والفساد، كي تؤدي رسالتها في اعداد الجيل الجديد وتربيته على القيم الفاضلة. حيث خصها الله تعالى ورسوله الكريم بالعديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تأكد على أهميتها والتي تضع قوانين صارمة من اجل الحفاظ على نظامها وتأسيسها عل مبادئ سامية وكذلك احكاما لحمايتها والحفاظ على سيرورتها. حيث لم يكتف الإسلام بالجانب الوعظي، أو الإرشادي، بل صب توصياته بخصوص الاُسرة في قوالب قانونية واضحة وملزمة، حدّد فيها الواجبات الملقاة على الزوجين تجاه بعضهما البعض، وتجاه أولادهما، كما بيّن الحقوق المترتبة على كل فرد في الاُسرة.

نظرا لما خصصه الإسلام في تكوين الاسرة وما اولاه لها من اهتمام تجلت نتائجه في قوة العالم الإسلامي في عصوره الزاهرة، حيث يعود سر قوته وازدهاره الى تمسك الاسرة واعتصامها بتقاليدها العتيقة والقواعد الأولى التي وضعها من اجلها الدين الإسلامي. ان للأسرة أثر عميق في كيان الامة ومستقبلها، وهذا ما لم يكن خافيا على الرئيس محمد أنور السادات، في دعوته الأساسية الى إعادة بناء الدولة على العلم والايمان إثر تحرير مصر من الاحتلال الإسرائيلي. فاخذ ينبه الاذهان الى وجوب العناية ببناء الاسرة على اقوى الدعامات وأسمى القيم.

"اردت ان أنبه الى شيء واحد، وهو الاسرة، لان الاسرة هي اللبنة الأولى للوطن، وبقدر ما في الاسرة من تماسك ووعي وفهم لكل المراحل التي يجتازها وطننا. بقدر تمسك الاسرة بمقوماتنا الأساسية التي قام عليها هذا الشعب الاف السنين، يكون التقدم والتطور. لذلك فانا أنبه الى الاسرة، لأنها هي الأساس الأول للوطن، وحينما اتحدث عن الاسرة: يأتي دور المرأة، والمرأة هي الأساس، وهي التي تزرع كل ما نريد، وتحافظ على كل ما لدينا من مقومات." [ورد في كتاب اهداف الاسرة في الإسلام والتيارات المضادة]. هذا ما أفصح عنه سيادة الرئيس محمد أنور السادات منتهزا فرصة حضوره في أحد الاجتماعات النسائية ضمن دعوته لإعادة بناء الدولة.

وهذا ما يزيدني إصرارا على ان صلاح امتنا وتقدمها في التزام مباشر مع بقاء الاسرة معتصمة بأسس الدين الإسلامي الحنيف وتمسكها بأحكامه الفاضلة.

في خضم الصراع الحضاري والثقافي الجاري اليوم، بدأت القيم والمبادئ التي ينص عليها ديننا الحنيف داخل الاسرة بالتقهقر وبدا افرادها في الاختلاف حول الأدوار الأساسية لكل فرد. وهذا ما يعد السبب الرئيسي وراء تخلف المجتمعات الإسلامية عن ركب بقية الشعوب.

فاذا ما أردنا النهوض بالمجتمع وجب علينا الالتزام بتعاليم الدين. فالدين الإسلامي باعتباره منهجاً شاملاً لجميع جوانب الحياة الإنسانية اولى الاُسرة أهمية خاصة في مفردات منهجه المتكامل، ذلك لما لها من دور فعال يسهم في بناء إنسان صالح يشارك في خدمة المجتمع ورقيه وتنمية قدراته.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع" شاركنا بها في التعليقات

الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..
لم تستطع أيّ دولة في الْعالم الْحدّ من الْعُنْف رغم تُرَسَانَة الْقوانين والْعقوبات الرّدْعيّة التي تعتمدها، والتي ...

عرض المزيد ...

أنا اللاجئ
كان يحيا حياة جميلة بسيطة, حلوة يسيرة تارة ومُرّة عسيرة طورا. له منزله الذي يسكن وعائلته التي يحتضن ...

عرض المزيد ...