النبيّ الخاتم: تاريخ مشرّف وقائد عظيم

شخصيات الاثنين 15 فبراير 2021
النبيّ الخاتم: تاريخ مشرّف وقائد عظيم

قلّة هم العظماء الذين خلّد التاريخ أسماءهم، ولسائل أن يسأل: كيف تكون سنوات قليلة يعيشها المرء على وجه البسيطة كافية لتخليد ذكراه إلى الأبد؟
إجابة هذا السؤال تتجلّى في أعظم شخصيّة تاريخيّة مرّت على هذه الأرض: رسول الإسلام محمّد ﷺ، فلتجمع عزيزي القارئ حقائب فكرك وروحك وتعال معي في رحلة عبر الزمن نستلهم منها النّور والعظمة ونستحضِر فيها التاريخ والحكمة.

هلّت أنوار النبيّ محمّد ﷺ في الثاني عشر من ربيع الأول سنة 571م، وُلِد يتيم الأب وفقد أمّه عند السادسة من عمره. واليتم -عزيزي القارئ- مدرسة تصنع شخصيّات من حديد، تخرّج منها نبيّنا قويّ البنية، فصيح اللسان، معتمدا على نفسه في قضاء شؤونه الهيّنة منها والعسيرة. ولئن ابتلاه الله بهذا الفَقْد العظيم تهذيبا منه لنفس رسوله وتهيئة له لأمر جلل مستقبلا، فقد سخّر له جدّه لأبيه، عبد المطّلب، ثم من بعده عمّه أبا طالب، فأولياه حبّا وعطفا واهتماما وقدّماه على كلّ عزيز وغال. جدير بالذكر أن نسب النبيّ محمّد من أشرف الأنساب وأطهرها فلم يشُبه نجس من أنجاس الجاهليّة قطّ.

ما إن اشتدّ عوده حتى خرج صلى الله عليه وسلم إلى البادية راعيا لأغنام قريش، عزيزا، حرّا، كريما ومُعوِّلا على نفسه في جني ماله وكسب قوته. امتهن التجّارة أيضا وخالط أشراف القوم وأسيادهم داخل مكّة وخارجها فاكتسب ذكاء التصرّف وحنكة التعامل ومهارة المحاورة والإقناع. ولقد علا صيته في مجال عمله واشتهر بدماثة أخلاقه وسموّ نفسه، حتى أنه لُقّب بالصادق الأمين. نال محمّد ﷺ إعجاب وتقدير كلّ من عرفه، ومن بينهم سيّدة قريش خديجة بنت خويلد، فكلّفته برعاية تجارتها في بلاد الشّام. وما فتئ أن تزوجّها وهو في عمر الخامسة والعشرين -وهي أولى زوجاته- فشدّ الله بها أزره وأشركها في أمره وكانت خير الحبيبة ونعم السند.

لم تكن مرحلتا الطفولة والشباب عاديّتين في حياة النبي الأكرم ﷺ، فالمُتأمل الفطن يرى فيهما تحضيرا شاملا لمهمّة عظيمة وبناءً محكما لشخصيّة خالدة. نزل الوحي على النبي محمّد ﷺ وهو في الأربعين من عمره، رجلا ناضجا ذا نبوغ عقليّ وسَمْت حسن وصيت واسع. وقد كان هذا الاصطفاء تكليفا عظيما ومهمّة شاقّة أعدّ الله لها نبيّه على مدى أربعة عقود فأدّبه خير تأديب وجمّله بالمحاسن كلّها حتى صار أهلا لحمل هذا التكليف ونيل هذا التشريف من ربّ العالمين، شرف تبليغ الرسالة الخالدة.

اختار الله لنبيّه أن يبلّغ رسالته سرّا لمدة ثلاث سنوات فبدأ بالاتصال الشخصي بأقاربه المقرّبين ومن رأى فيهم الاستعداد لتقبّل هذا التغيير العظيم فجعله الله سببا لهدايتهم، وكانت هذه أولى مراحل التأسيس. ثم انتقل -صلوات الله عليه- إلى الدعوة الجهرية وتبليغ الأمانة لعامة النّاس وهنا كانت المهمّة الأشق، فمهمّة دحض الأباطيل وإسقاط الخرافات وتغيير المجتمع الوثنيّ الجاهليّ إلى مجتمع موحّد، مسلم تسيّره قوانين محكمة أمر جلل عظيم بذل فيه محمّد العظيم الجُهد فحاور بالعقل وسرد النقل وجادل بالحجة والبرهان. وصبر على الأذى مُمتنعا عن الشكوى وذبّ عن المظلوم وآوى إليه كل مكلوم. فكُذّب بعد أن كان يُشهد له بالصدق والأمانة. وحين اشتدّ جور قريش عليه وتجبّرهم على من آمن به أذن الله له بالهجرة إلى يثرب، وما أشدّ فراق الموطن وما أقساه، ولم يكن من السهل عليه الخروج من مكّة لشدّة تعلّقه بربوعها ولكنّها مقتضيات الأمانة العظيمة التي يحملها والسّمع والطّاعة لأوامر خالقه ومولاه.

كانت الدعوة المحمّديّة في مكّة بهدف إرساء عقيدة راسخة وهداية النّاس إلى النّور وتخليصهم من ظلمات الشرك والذلّ والعبوديّة. ثم مثّلت الهجرة إلى المدينة مرحلة بناء الدّولة الإسلاميّة وإقامة أسُسها وهو ما لم يكن متاحا في مكّة في ظلّ طغيان قريش ورفضهم القطعيّ لنظام عقائديّ وسياسيّ جديد. ولقد استقبل أهل المدينة النبيّ ﷺ ومن هاجر معه أحسن استقبال فقاسموهم معيشتهم ومساكنهم وكانوا لهم خير السّند وأحسن الرّفقة مما جعل المكوث في المدينة فاتحة خير وبركة لإرساء محيط مجتمعيّ آمن وسليم، كيف لا والمهاجرون والأنصار هم تلاميذ النبيّ العظيم، معلّم الناس الخير وناشر المكارم والقيم؟

إذا أردنا خوض حرب ناجحة علينا تكليف الأكفأ للقيادة، ولقد كان محمّد ﷺ أعظم قائد في تاريخ البشريّة، اصطفاه المولى عزّ وجلّ لنشر رسالة التوحيد وتحقيق أهدافها ونشر مبادئها. ونجح في إرساء منظومة قيمية وتربويّة هذّب بها الأنفس وكوّن بها خير أمّة أُخرِجت للنّاس.

نجاح النبي ﷺ في القيادة يرجع بالأساس إلى خصاله وشمائله التي أكرمه الله بها، فقد كان من القلّة الذين استطاعوا الموازنة بين القوة والرّحمة والحكمة عبر التاريخ. فجسارته وشجاعته في الحروب وإدارته لشؤون دولة المسلمين لم تمنعه قطّ من نشر رحمته ولطفه ومحبّته لأصحابه وأهله والمسلمين عامّة. إنّ الموازنة بين منصب القيادة والسلطة من جهة والتواضع للناس ومحبّتهم ورعاية شؤونهم واستشارتهم وتثمين جهودهم من جهة أخرى لهي من أولى مقوّمات نجاح القائد في مهمّته. وهو ما يشهد به التاريخ لمحمّد ﷺ، فأخلاق القائد العظيمة لم تكن فقط كرامة للمسلمين دون غيرهم، بل شملت جميع النّاس بمختلف أطيافهم وألوانهم وأفكارهم. فلم يذكر عن النبيّ أنه ضرب امرأة أو قهر رجلا أو أساء إلا صغير أو كبير في حرب كان أو في سلم، بل كان ديدنه السّلام لمن سالمه والعدل في محاربة من حاربه.

لإنّ رجلا بهذا الصّلاح وهذه الاستقامة لا يليق به إلا التألق والتميّز في بيته أولا، فقد كان صلّى الله عليه وسلّم محبّا ودودا لطيف المحادثة جميل العشرة. ولم يعرف عنه الغلظة والفظاظة مطلقا، بل كان دائم التبسّم ليّنا، فلم يرو التاريخ أبدا أنه أحزن أهل بيته أو شقّ عليهم في حكم. كما كان أيضا أصلح الآباء وأعظمهم، فأولى بناته حبا كبيرا ورعاية خاصة وأكرمهنّ باختيار أسماء حسنة وأدّبهنّ أحسن تأديب فكنّ ذوات خلق رفيع ثمّ تخيّر لهنّ رجالا أشاوس وكرماء.

توفّي معلّم الناس الخير في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحادية عشرة للهجرة الموافق سنة 633م، ليكون يوم وفاته أظلم الأيام وأسوأها قال أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما رأيت يوماً قط كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

رحل النبيّ العظيم عن الدنيا مخلّفا دينا عظيما وسيرة عطرة لا زالت البشريّة إلى اليوم تستلهم منها النور والموعظة. فصلّ اللهم على محمّد النبيّ والقائد العظيم والمربّي الفاضل وسلّم تسليما كثيرا.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "النبيّ الخاتم: تاريخ مشرّف وقائد عظيم" شاركنا بها في التعليقات

ابن سينا : طبيب العصور الوسطى
العصر الذهبي كلمة أطلقت على الفترة الممتدة بين القرن السابع و القرن الثالث عشر، و يعود سبب التسمية الى ان تلك ...

عرض المزيد ...

ألفريد نوبل : صانع السلام و صانع الحرب
جوائز نوبل هي جوائز سنوية تعطى من خلال حفل توزع فيه مكافأت لأناس او علماء اخترعت ، اكتشف أشياء او حتى قام ...

عرض المزيد ...