ديهيا الفارسة الامازغية، بين الشعوذة والعظمة

شخصيات السبت 20 فبراير 2021
ديهيا الفارسة الامازغية، بين الشعوذة والعظمة

بين جبال الأوراس تحديدا بمدينة ماسكولا، نشأت فتاة أمازيغية تُدعى "دهي" -المرأة الجميلة في القاموس اللغوي الأمازيغي- تغنيا بجمالها. غير أنّه لم يكن جمالها الاستثناء الوحيد، فتكوينها كان مختلفا أيضا، ففي الوقت الذي كانت فيه مهمّة النساء في الخيام تقتصر على الطبخ والإنجاب ولا يُسمح لأي منهن بتقلّد أيّ مهامّ سياسية أو عسكرية، كانت دهي تتلقى تكوينا ثقافيا عسكريا، تكوينا لا يحظى به آنذاك إلا الذكور من أبناء الملوك والقادة. لكن القائد ثيبات بن تيفان وعلى خلاف سلاطين وقادة عصره كان يعدّ ابنته "ديهيا" ويهيّئها لتكون وريثة عرشه، وتحكم فيما بعد مملكة البربر بأسرها.

على الرغم من عظمة هذه السيدة، فإنّ المراجع والمعلومات المتاحة حولها والمتعلقة بهذه الشخصية تعتبر شحيحة، وامتزجت فيها الحقيقة بالأسطورة ممّا يحول دون التمعّن الدّقيق في ملامح شخصية "ديهيا"، وسنحاول خلال هذا المقال عرض أهم المعلومات عنها، فتهيّئ عزيزي القارئ لنغوص في أعماق التاريخ الأمازيغي ونستكشف معا إنجازاتها ونتوقّف عند أهم المعارك التي خاضتها لنشهد في الأخير على ملحمة دامية لاقت فيها حتفها.

ولدت "ديهيا" بنت ثابنة بن تيفان في مدينة ماسكولا بجبال الأوراس، وهي خنشلة الواقعة في الشمال الشرقي الجزائري حاليا، سنة 1535 أمازيغي الموافق ل 585 ميلادي لتفارق الحياة سنة 1662 أمازيغي الموافق ل 712 ميلادي إثر معركة عظيمة. ترعرعت ديهيا في كنف قائد عظيم أعدّها جيّدا ليورثها عرشه فكانت خير خليفة له وحفظت أمانته. اشتهرت هذه المرأة الاستثنائية بحدة ذكائها وحكمتها ما جعلها تكسب ثقة البربر ليقوموا بترشيحها فيما بعد لتقلّد منصب لم يكن متاحا لامرأة قبل ذلك. بعد مقتل اكسل ملك البربر سنة 686 ميلادي من قبل المسلمين، حيث أولى البربر أمرهم لديهيا، فكان اختيارا موفقا، حيث كانت امرأة شجاعة وحاكمة جسورة دافعت على أرضها وشعبها إلى آخر رمق حتى أصبحت رمزا من رموز الذكاء والتضحية الوطنية، حكمت شمال إفريقيا بقبضة من حديد طيلة 35 سنة.

كخطوة أولى قامت الملكة الجديدة بتوحيد القبائل الأمازيغية حولها، ثم سعت جاهدة من أجل استعادة الأراضي البربرية التي تم الاستيلاء عليها أواخر القرن السادس انطلقت تقود الحملات ضد الرومان والعرب والبيزنطيين. كانت قائدة البربر قد اشتهرت بحكمتها ودهائها الحربي مما خوّل لها تحقيق مآربها فاستعادت معظم أراضي مملكتها بما فيها مدينة ماسكولا بعد أن نالت من الرومان وهزمتهم هزيمة شنيعة وكبدتهم خسائر عظيمة. فامتدت أفق مملكتها الشاسعة لتشمل جزء من الجزائر، تونس، ليبيا والمغرب وجعلت من مدينة ماسكولا عاصمة لها.

كانت كاهنة البربر قائدة لملايين البشر وحاكمة لمملكة شاسعة تحظى باحترام أقوى رجال البربر وشاع صيتها عند المسلمين فنالت إعجابهم واحترامهم، إلى أن قرّر الخليفة عبد الملك بن مروان استئناف الفتوحات الإسلامية بشمال إفريقيا سنة 693 ميلادي فأرسل جيوشه بقيادة حسان بن النعمان.

خاض الجيشان معركة بوادي مسكيانة، حيث أغارت المقاتلة الباسلة على المسلمين وألحقت بهم هزيمة كبيرة وطاردتهم في كل مكان بتمازغا "شمال إفريقيا" إلى أن أخرجتهم من تونس وطرابلس إلى منطقة تسمى حاليا بقصور حسّان في سرت.

أثناء المعركة تمكنت ديهيا من أسر 80 رجلا من أصحاب حسان لكنها أحسنت إليهم أرسلتهم إلى موطنهم إلا رجلا واحدا هو خالد بن يزيد إذ تبنته وضمته إلى ابنيها بالتبني. حيث قالت له يوما "ما رأيت في الرجال أجمل منك، ولا أشجع، وأنا أريد أن أرضعك، فتكون أخا لولديَّ نحن جماعة البربر لنا رضاع إذا فعلناه، نتوارث به".

بعد ان اضطرت حسان وجيوشه للانسحاب والتراجع، سيطرت الكاهنة على شمال إفريقيا لمدة خمس سنوات، كانت تتعرض خلالها للخيانة من قبل خالد بن يزيد الذي كان يسرب معلومات تتعلق بالأوضاع السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والدينية بمملكة الاوراس للقائد حسان بن غسان.

كانت ديهيا على أهبة الاستعداد وفي انتظار تحرّك العرب حين علمت بخيانة ابنها خالد، فاعتمدت استراتيجية الأرض المحروقة وهي خطة عسكرية هدفها تخريب الأراضي وتدمير مطامع العدو. قررت ملكة الأمازيغ انتهاج هذه السياسة لتبعد العرب عن مملكتها وتنفيرهم منها فجمعت قومها وخطبت فيهم: "إن العرب إنما يطلبون من إفريقية المدائن والذهب والفضة، ونحن إنما نريد منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد إفريقية كلها، حتى ييأس منها العرب، فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر". فأمرتهم بحرق الزرع وقطع الأشجار وهدم الحصون حتى ظنّ البعض أن قائدتهم الحكيمة قد أصابها الجنون.

لم تثن الخطة التي التجأت إليها كاهنة البربر قائد جيوش العرب حسان بن النعمان عن التقدم من جديد بإصرار أكبر بعد أن أمدّه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بالدعم وقاد جيشا ضخما لمواجهتها فنشبت بين الجيشين معركة شديدة، كانت هذه المرة لصالح حسان الذي طالما زوّده ابنها بالتبني خالد بن يزيد بأخبار جيشها وخططها العسكرية، فكانت هذه المواجهة ضربة ساحقة للبربر وقضت بمقتل العظيمة دهي عن عمر يناهز 127 سنة.

قال المؤرخ الثعالبي في كتابه "تاريخ شمال إفريقيا": "وبعد معركة صارمة ذهبت هذه المرأة النادرة ضحية الدفاع عن حمى البلاد، وفي الوقت نفسه استراحت إفريقيا من عسفها وجورها بعد أن رفعتها إلى منازل الآلهة البشريين الذين عبدهم الناس".

لم يكن الثعالبي الوحيد الذي ذكرها في كتابه بل خصّها العديد من المؤرخين العرب بالذكر في عظيم كتبهم وقدّموها في صورة الفارسة القوية والمرأة الحكيمة.
اختلف المؤرّخون حول ديانة ديهيا، فذهب البعض من أمثال المؤرخ الإسرائيلي"شلومو ساند" والمؤرخ العربي"ابن خلدون" أنها يهودية إذ أن قبيلتها من عرق بني إسرائيل وأنّ جزءً من أمازيغ شمال أفريقيا كانوا يهودا. وذهب مؤرخون آخرون إلى أنها كانت وثنية تعبد صنماً من خشب، وتنقله معها على جمل، وقبل كل معركة تبخّره وترقص حوله، ممّا جعل البعض يتهمها بالسحر والشعوذة ويُرجع سبب انتصاراتها إلى ذلك، فلقّبها العرب بالكاهنة. إلا أن ابن خلدون يرى ان تلقيبها بالكاهنة يعود إلى ما "كان لها من الكهانة والمعرفة بغيب أحوال قومها، ما جعلها تتولى عرشهم.

داميا، ديهيا، دهي، كاهنة البربر أو الكاهنة كما كان يلقّبها العرب، وبين الأسطورة الأمازغية والساحرة المشعوذ في الرواية العربيّة، ومهما اختلفت التسميات والاعتقادات حولها فإنّها تجتمع حول تميّز هذه الشخصيّة، وتُقرّ بعظيم تاريخها وكونها سيدة حكيمة وفارسة شرسة. لها من قوة البنية ما يخول لها أن تكون قائدة عسكرية عظيمة لجيش مهول ولها من الكاريزما ما جلب لها احترام أقوى رجال البربر وأهم قادة العرب.
كانت ديهيا المرأة الاستثناء في عصرها لتبقى فخرا لجميع النساء على مر العصور.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "ديهيا الفارسة الامازغية، بين الشعوذة والعظمة" شاركنا بها في التعليقات

عن رواية أرض زيكولا أتحدث
من المؤكد انك سمعت عن "أرض زيكولا" في حديث احدهم خاصّة أولئك القرّاء منهم او ربما عبر تصفحك للفايس ...

عرض المزيد ...

تونس الخضراء : 3000 سنة من الحضارة
تقع البلاد التونسية في شمال القارّة الإفريقيّة أو القارّة السمراء كما يحلو للبعض تسميتها و تحضى تونس...

عرض المزيد ...