الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..

قضايا المجتمع الأربعاء 17 فبراير 2021
الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..

لم تستطع أيّ دولة في الْعالم الْحدّ من الْعُنْف رغم تُرَسَانَة الْقوانين والْعقوبات الرّدْعيّة التي تعتمدها، والتي غالبا ما تُقَامُ لها دعاية مُبْهِرَة، وكأنها بِسَنِّ هذه الْقوانين ستقضي على الْعنف، الْأمر الذي لم يحصل، بل يتزايد منسوبه يوميّا، ذلك أن الْعنف عادة سيّئة تُمارَس منذ الطفولة وسرعان ما يتحوَّل إلى فلسفة حياة بمرور الْوقت.

حين يَحِلُّ الْإنسان في الْحياة طفلا، يكون الشّعور الْأوّل الذي يعرفه هو الْخوف، وأَوّل علاماته تلك الصّرخة الْأولى التي يُطلقها، الْخوف من الْموت، من السّقوط، من الْغرق.. وحسب التّربية التي سَيَتَلَقَّاها، إمّا ستختفي تباشير الْخوف الْأولى ليتحوّل إلى حذر، حرص، مسؤولية أو إلتزام.. أو سَيَتَجَذَّرُ لِيَتَحَوَّلَ إلى هَوَسٍ، تردّد، لا ثقة، عنف..
فإن كانت الْأم الْحاضنة للطفل متصالحة مع الْحياة، مليئة بالْعاطفة والثقة والْقوة، سيتغذّى طفلها من روحها لتشْتَدَّ روحه وتُصْقَلَ لتغدُو قادرة على مجابهة الْحياة، تماما كما يتغذّى من حليب صدرها ليَنمو ويَشْتَدَّ عُودُه...

وسَتَتَوَسّعُ دائرة علاقاته تِباعا، وتتزايد الْمُؤثّرات الْخارجيّة على شخصيّة الطفل من الْمُحيطينَ به سواء في الْأُسرة أو الشارع أو الْمدرسة وصولا إلى الْعمل، وفي كلّ مرحلة يكتسب مهارات جديدة وينحت كذلك شخصيّته، هذه الشّخصية هي التي سَيَقُود بها أُسرته الْجديدة التي سيُؤسّسها في وقت لاحق, وسَيَكُون مَسؤولا عنها وسَيَبْنِيهَا بعاطفته وأفكاره ومَحاسنه وسَيئاته وأحكامه وقناعاته وذكرياته وكل ما عاشه من قبل، فعندما نربّي الطفل الْيوم إنّما نربّي معه الْأب/الْأم والْمسؤول في الْمستقبل..

الْكثير من الناس الذين تعرَّضوا لعنف نفسي أو جسدي أو شهِدوا على مشاهد عنف - بين الْوالدَين أو الْأقارب- سيُطبّقونه بدورهم على غيرهم فيما بعد (أخ/ت، صديق/ة، زوج..) عن وَعْيٍ أو دون وَعْيٍ، أو سيُدخلون إلى حياتهم أشخاصا يُمارسون الْعنف ضدّهم، سيُعنّفونهم مَعنَوِيا وماديّا، وسيَرَوْنَ هُم في ذلك تَنفِيسا عن الْكَبت النّفسي الذي أَطْبَقَ على حياتهم، التي بدرجة كبيرة يَرَونَها تَتَداعى دون أن يُحرِّكوا ساكنا. لأنهم يَعتَقدون أنهم استحقّوا ذلك. لأنهم.. فاقدون للقيمة، مُهَانُون من قِبل الْأشخاص الذين انتظروا أن يكونوا الدّاعم الْأوّل لهم. ولعلّها الْخَيْبةُ الْأولى.. أنْ يتعرّض الطّفل للإهانة والْإذلال ممّن لا يتوقّع منهم هذا.
والْعنف النفسي هو أشدّ أنواع الْعنف خصوصا إن كان من أقرب الْأشخاص. ممّا يُسبّب جراحا مُزمنة طويلة الْمدى. نَازِفَةً لا أَمَلَ في انْدِمَالِهَا لأنها مُتَجَذِّرَةً منذ السّنين الْأولى من الْعُمر. ويستمرّ نزيفها ما لم تُجَابَه بِحُلول علاجيّة قِوامها الْاستمرار والصبر والْإيمان.وهنا تتفاوت الْأضرار: فإذا كانت الضحية أنثى أو طفلا والْمُعَنِّفُ ذكرا -ونظرا للاختلافات الْفِيزْيُولوجيّة والنفسيّة بين الْجاني والضحية- سيَكون الْأثر الْمادّي والْمعنَوي للعنف أثقل. وهو ما يفسّر فداحة نِسب الْعنف ضد الْمرأة والطفل أكثر منها ضد الرّجل.

الْعنف هو الْوجه الْآخر الْبشع لِلْكَبْت. لأنّه وإن لم يتمكّن هذا الشخص من تفريغ شُحنات الْغضب التي أنتجتها الْوضعيات التي عاشها في شكل عُبُوَّات عنف تُجاه الْآخر -الذي غالبا لا ذنب له- فسَيَلجَأ إلى عيش حالة الْعنف تلك بطُرُقُه الْخاصة، عبر إيذاء الْجسد لأنه في الْحقيقة يرى نفسه مُذنبا ومسؤولا عما حصل. وهي رُؤية فاقدة للاعتراف لأنه لو واجه مِحَنَهُ لَمَا لَجَأ إلى عمليّة التَكْلِيمِ تلك. والتي تتمثّل مثلا في: قَصِّ الشَّعر أو التخلّص نهائيّا منه ,قَضْم الأظافر، إحداث الْجروح في الْجسم إشباعا لرغبة جامحة في رؤية الدم. وكأنه به يُفصح عن جُروحه الدفينة التي لم تَلْقَ مجالا للخروج سِوى عن طريقه.والْمُعَنِّف في الْحقيقة وفي أدق الْلحظات التي يَنطَوي فيها على نفسه، لحظات الْعَودَة إلى إنسانيته، يَكرَهها ويَحتَقرها بشدة. لأنه من ناحية غير رَاض عنها ومن ناحية أخرى يَمْقُتُ بشدة الْأسباب التي آلَتْ به إلى تلك الْحال. فيعيش حربا جديدة معها إمّا ينتصر فيها أو ينهزم. ومن الْواجب الْإشارة إلى أنَّ ما ذكرناه من أمثلة هو قليل من كثير وهيّن من ثقيل. ولعلَّ الْأثقل على الْإطلاق هو إنهاء تلك الْحياة بشكل مأساوي.

الْعنف أيضا -ولعله الْأهم- هو "الْلاحُب". فالْحُب هو فرصة هذا الْحيوان النّاطِقِ في أن يكون إنسانا. وبما أن الْمُعَنِّف شخص تعيس بائس فاقد للحب وفاقد للإنسانية، سينتقِم من الشخوص والْقِيم والنَّواميس. وسَيَتَمَرَّدُ رَفضا للمَنشود ونُشدانا للمَرفوض، مجتمَعا ومَنطٍقا وقَانونَا. لأنّه يَرَى أنَّ الْحَياة غير عَادلة (وهي كذلك) ولم تُنْصِفه.

نحن في هذا الطرح لا نَنْصِبُ محكمةً قضائيةً أو أخلاقيةً ضد الْمُعَنِّفِ، بل على الْعكس نحن نعتبره ضحية هو الْآخر، فهو ضحية الظروف والْإحتياج الْعاطفي والنفسي الذي حَوَّلَهُ من مرتبة إنسان إلى مرتبة أدنى. وإن كنّا سنُحَمّلُ طرفا ما الْمسؤولية، فسيكون الْعائلة التي لم تَعِ قُدسية الْعلاقة الْقائمة وجسامة فكرة إنجاب طفل وإنشائه بالشكل الْمطلوب، وعليه نرجو من كل رجل وامرأة، بالغ/ة عاقل/ة واع/ية-رغم نسبية هذه الْمعايير-، من كل أب وأم، الْوعي بقداسة هذه الْعلاقة بكل ما فيها من تَلَوُّنَات وتشعُّبات، وأن يُحاولا ولا يتوقفا عن محاولة إنتاج فرد خالٍ من الْعُقد، سليم الذهن، مُعافى الروح. لكن رجاء كُونَا كذلك أولا.
لأن هذا الْعالم قد اكتفى من الْمُتَحرّشين والْمُغتَصِبين والْإرهابيين..

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا.." شاركنا بها في التعليقات

الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع
يقول المولى عز وجل تعبيرا على مدى أهمية الاسرة:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا ...

عرض المزيد ...

المرأة و الفساد الأخلاقي , الرابط العجيب
قبل أن تتهجّم عليّ بسبب عنوان المقال، أرجوك حاول أن تسمع رأيي للأخير وحاول أن تفهم معنى هذه السطور وتذ ...

عرض المزيد ...