"أهل الكهف" في تونس!!

معالم و حضارات الخميس 18 فبراير 2021
"أهل الكهف" في تونس!!

"شنّنّي" قرية جبليّة قديمة تمتدّ في عمق الجنوب التونسي بولاية تطاوين استوطنها الأمازيغ منذ آلاف السنين واتخذوا في أعالي الجبل مساكن لهم تقيهم شرّ الغُزاة، وأنت تتّجه إلى "شننّي" يطالعك منظر القصور المنحوتة في الجبال في تناسق بديع تطلّ أبوابها ونوافذها على السفح ترصد حركات الوافدين، ويطالعك أيضا منظر صومعة فريدة التصميم مائلة باتجاه القبلة تتوسّط مقاما أثريّا أطلق عليه الأهالي اسم "الرّقود السبعة" لاحتوائه سبعة قبور ضخمة يتجاوز طول الواحد منها أربعة أمتار وبعرض متر تقريبا.

و"الرّقود السبعة" من أكثر الأماكن المحيّرة، إذ حيّر المكان كلّ من وطِئته قدماهُ، بجوّ الرهبة الذي يسوده ويلقيه في الأنفس، فضلا عن الذّهول الذي يصيبك أمام روعته خاصّة وأنت ترى قبورا ضخمة تحيلك إلى زمن العمالقة وضخامة أجسام العباد في الأزمنة القديمة، تتراءى أمامك خيالاتهم وتستحضر كلّ ما سمعته وقرأته عنهم.

يعتقد أهالي شنّني جازمين أنّ "الرّقود السبعة" هم "أصحاب الكهف" الذين ذكرهم القرآن الكريم وخصّهم بسورة كاملة تروي قصّة فرار الفتية المؤمنين ولجوئهم إلى الكهف أين لبثوا فيه ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، قال تعالى: "وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا" (الكهف، 25)

فهل حقّا الرقود السبعة هم أصحاب الكهف أم هم العمالقة السبعة؟ وما هو سرّ القبور الضخمة السبعة الموجودة قرب كهف بشنني؟

لا يمكن أن ننكر أنّ هناك تنازع جغرافي حول تواجد "أهل الكهف" المذكورين في القرآن الكريم وفي سائر الكتب المقدّسة، فقد اختلف المؤرّخون حول مكان الكهف الذي فرّ إليه مجموعة من المؤمنين الذي هربوا من بطش "ديقيانوس" الظالم خاصّة وأنّ الروايات والنصوص الدينية قدد سكتت عن مكان الكهف، وذكر الباحثون والمؤرّخون عدّة أماكن لكهوف وصلت إلى حدود أربعين دولة منها الأردن واليمن وسوريا واليونان وتركيا التي يوجد بها ثلاثة أماكن مختلفة وكلها تحمل اسم كهف أصحاب الكهف.

ولئن دافع عديد البلدان عن تواجد "الكهف" على ترابها لما في ذلك من مزايا خاصة في ما يتعلق بالسياحة وتوافد الزّائرين عليها، فكهف "الرّقيم" بالأردن مثلا يزوره أكثر من 200 ألف زائر سنويّا، فإنّ موقع "الرّقود السبعة" جدير بالاهتمام وتسليط الضوء عليه والترويج له كأصحّ الأماكن ليكون هو مستقرّ "أهل الكهف" وذلك لعدّة اعتبارات ودلائل هي الأقرب للروايات الدّينية.

فاتجاه الشمس حول هذا الغار يتطابق مع ما نصّ عليه القرآن الكريم في سورة الكهف حيث تزاور الشمس يوميّا في فتحة الكهف عن اليمين في الشروق وذات الشمال في الغروب، قال تعالى: "وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ..." (الكهف، 17)، هذا الموقع يتأكّد لك وأنت تزور الكهف فتجد مدخله يتّجه إلى الشمال القطبي فتأتيه الشمس عن يمينه وتغرب من ناحية الشّمال.

كما يعتبر وجود المسجد القديم الأثري فوق الكهف دليلا على أنّ هذا الكهف هو الذي تحدّثت عنه الكتب السماويّة، قال تعالى: "قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا..." (الكهف، 21)، فقد أقيم هذا المسجد على مدخل الكهف، منقورا في الجبل وقد أصبح اليوم يمثل الجزء القديم من المسجد الحالي الذي شهد جملة من التوسيعات والترميمات المتتالية، حيث أصبح الجزء الجديد منه يحتوي على قاعة صغيرة ذات تسع قباب تحملها أعمدة عريضة من الحجارة وقد رُسمت على هذه الأعمدة والأقواس كتابات حديثة عليها أرقام مكتوبة بالأحرف الهنديّة وأخرى بالعربيّة تشير إلى تواريخ ترميم المسجد وأسماء البنّائين الذين قاموا بالترميم، كما نجد على جدران الأقواس منقوشا "لا إلاه إلا الله محمد رسول الله" بالإضافة إلى بعض الكتابات والنّقوش والرّسوم تتكوّن من نقاط ودوائر ...

وممّا يدعم أنّ مرقد أهل الكهف هو الموجود بشننّي هو إطلالة الغار على منبسط تقابله من النّاحية الشرقيّة مدينة "دقيانوس" وهي تحمل اسم مؤسّسها وفي هذا تطابق مع ما يذكره العديد من المؤرّخين والباحثين سواء من تونس أو خارجها أن هذه القبور السبعة هي لأصحاب الكهف الذين هربوا من بطش الملك "دوقيانوس" الذي أراد قتلهم بعد أن اكتشف أمر إيمانهم وتوحيدهم الله سبحانه وتعالى.

كما توجد بالقرب من الكهف عين ماء بقيت صامدة منذ آلاف السنين تتزوّد قطرة قطرة من صخر الجبل.

هذا ولئن نفى البعض أن يكون هذا المكان هو لأصحاب الكهف رغم كل ما سبق ذكره معتبرا إيّاه مكانا مُحيّرا لا غير وقد يكون لعمالقة من البشر من الزمن القديم استقرّوا بالمنطقة وكانت بنيتهم الجسمانية ضخمة، فإنّه يجدر بنا أن نعمل على مزيد الترويج لهذا المكان حتى يكون قبلة السيّاح ويجدر بالمؤسسات الرسميّة أن تضع على ذمّة الزّائرين أدلاء سياحيين مشبعين بالأدلة والبراهين ويقنعون الزّائرين بما يخدم السياحة التونسيّة.

شارك المقال

ماذا تعرف عن ""أهل الكهف" في تونس!!" شاركنا بها في التعليقات

البتراء : المدينة الضائعة
من الوهلة الأولى التي ترى فيها المنطقة الواقعة جنوب العاصمة الأردنية عمان، يهيئ لك أنك في قلب الصحراء، وانه م ...

عرض المزيد ...

مسلسل la casa de papel عمل رديئ أم تحفة ؟
عالم المسلسلات التلفزيّة , عالم غزير الإنتاج خاصّة في 10 سنوات الأخيرة حيث شهدت الساحة التلفزيّة ....

عرض المزيد ...