النجوم، من الحاضنة السديمية إلى الفناء

علوم الأربعاء 24 فبراير 2021
النجوم، من الحاضنة السديمية إلى الفناء

أبدع الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وترتيب سيرورته وحركة مكوّناته بنظام مُحكم ودقّة عجيبة يقف الإدراك البشري عاجزا أمام فكّ شيفرة هذا الكون، فلو تأمّلنا في ما يجول حولنا وما يكسو الكون من عظمة سنجد أنها بلا حدود، عظمة تجلّ عن الوصف والإدراك وهذا بديهي فهي مستمدّة من عظمة الخالق فكان كل شيء في أحسن صورة كما ينبغي لجلال سلطانه. قال تعالى: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ" (السجدة 7)

وإذا ما تطلّعنا إلى السماء مثلا وحدّقنا مليّا في النجوم، تلك النقاط الصغيرة المتلألئة، المتفرقة في أرجاء السّماء بعشوائية التي تأخذنا إلى عالم ساحر وتبعث فينا شيئا من الطمأنينة، وتساءلنا عن كنهها وما تحتويه، وأشكالها وأحجامها، فهل سنحتفظ بما انطبع في قلوبنا وعقولنا حين تأملناها أوّل مرّة فتراءت لنا قناديل تزيّن السّماء؟

دعنا ننفصل عزيزي القارئ قليلا عن الشاعرية، وننظر إلى النّجوم بأعين العلماء والباحثين في علوم الفلك والكواكب.

ظل الانسان أمدا بعيدا لا يدرك حقيقة النجوم، حتى بعد ظهور علماء الفلك وما أبدوه من اهتمام وعناية بالنجوم، فقد ارتبطت النّجوم في أذهان الكثيرين بالتنجيم ومعرفة أسرار الغيب وما إلى غير ذلك من أشياء مبهمة. لكن مع جهود علماء الفلك بدأت هذه الحقيقة بالتجلي وهمّت الغمامة المحيطة بعالم النجوم بالانقشاع. فهم يحاولون جاهدين رفع الحجاب عن الحقائق عبر العصور ليسافروا بالنجوم من مصابيح مضيئة تثير بهجةَ وشاعريةَ من يشاهدها إلى اعتبارها أجساما عملاقة متكونة من غازات متفجّرة تساوي انفجاراتها ما يعادل ملايين القنابل الذرية.

النجوم هي عبارة عن أجسام كروية لامعة ومتماسكة بفعل الجاذبية -إذا هي ليست خماسية الأضلاع كما كان يهُيئ لنا أثناء رسمها-، بل هي تتكون من الغبار والغاز والهيدروجين بالأساس. والنجوم ضخمة جدا، بحيث تقوم جاذبية النجم بضغط الغاز بقوة هائلة لدرجة تشد الحرارة في النواة، فتصل درجة حرارته إلى ملايين الدرجات الحرارية وبالتالي تنصهر ذرات الهيدروجين فتتحول إلى ذرات من الهيليوم مما ينتج عنه طاقة كبيرة، وتسمى هذه العملية "الانصهار النووي". تنتقل الطاقة الناتجة عن هذه التفاعلات النووية التي تحدث في قلب النجم تدريجيا إلى السطح وتخرج منه في شكل حرارة وإشعاع عادة ما يكون مرئيا بين الأحمر والأزرق القريب من البنفسجي، فنرى النجوم لامعة في السماء بفضل هذه الطاقة.

مما لا شكّ فيه أن النجوم بعيدة جدا عن موضعنا في الأرض، وهذا ما يجعلها تبدو كنقاط صغيرة الحجم منتشرة في السماء، لكنّها في الواقع أكبر حجما وأشدّ لمعانا ممّا نراها عليه، بل إنّ ما نراه هو ما يصلنا من ضوئها، إذ يؤكّد الباحثون أن ما نراه هو مكان النجم وشكله قبل سنوات، وقد يكون ذلك النجم قد تغيّر مكانه أو ربّما قد انفجر واضمحلّ، فإذا ما استثنينا الشمس نجد أن أقرب نجم إلينا تفصله عنّا تريليونات الكيلومترات، لدرجة أنّ الضوء المنبعث منه يحتاج عدّة سنوات للوصول إلينا. فالضوء المنبثق من الشمس مثلا تستغرق رحلته ثمان دقائق للوصول إلى الأرض، بينما نفس الرحلة من نجمة "بروكسيما سينتوري" وهي أقرب نجم إلينا بعد الشمس يستغرق فيها الضوء أربع سنوات للوصول إلى الأرض.

تبدأ دورة حياة النجوم من "الحاضنات النجمية" الموجودة بدورها داخل السديم. والسّدم هي أجرام سماوية ذات مظهر منتشر غير منتظم، وهو عبارة عن كتلة سحابية عملاقة مُكوّنة من غاز متخلخل من الهيليوم والغبار الكوني والهيدروجين بالأساس، تتكاثف وتلتف أجزاء من هذه الكتل السحابية تحت تأثير الجاذبية فتتخذ شكلا كرويا، وتظل هذه الكرة المكونة من الغاز والغبار في انكماش متواصل مصحوب بارتفاع هائل في درجات الحرارة داخل النجم، فتتحول الذرات الى إيونات والكترونات. تتزايد درجات الحرارة لتصل نحو 12 مليون درجة مئوية فتنطلق مرحلة الاندماج النووي، ويبدأ عنصر الهيدروجين بالتفاعل لتكوين عنصر الهيليوم، فيصبح مضيء. وهكذا يولد نجم جديد.

بعد تشكّله يخرج النجم من حاضنته السديمية، ويبدأ حياته التي يختلف طولها على حسب طبيعته فإمّا أن يكون نجما كبيرا وحارا يعيش لبعض ملايين من السنين أو صغير الحجم وباردا يحرق الهيدروجين بهدوء فتتواصل رحلة حياته لمليارات من السنين، وتُعَدّ النجوم الحمراء هي الأكثر برودة بينما تلك الزرقاء هي الأشدّ حرارة، في حين أن الشمس صفراء اللون أي أنّها في المنتصف.

في نهاية رحلة حياته، يبدأ النجم في الاحتضار بنفاذ الهيدروجين من نواته فيستمرّ بحرق الهيدروجين الموجود بالطبقات المحيطة بالنواة وبالتالي تشتد الحرارة داخل النجم، ممّا يؤدّي إلى انتفاخه ليصبح عملاقا أحمر اللون، وتعصف الرياح السريعة من النجم المنتفخ بطبقاته الخارجية إلى الفضاء مُشكّلة سديما حول النّجم المحتضر وهكذا تنهار النواة النجميّة المتبقّية ببطء لتصبح قزما أبيضًا باهتا. وما يمكن استنتاجه إذا هو أنّ حياة النجوم تنتهي على شكل سديم لينطلق فيما بعد جيل فتيّ من النجوم من نفس المكان الذي انتهت فيه حياة جيل سابق، ليكون السديم مقبرة النجم وحاضنته الأولى في آن واحد.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "النجوم، من الحاضنة السديمية إلى الفناء" شاركنا بها في التعليقات

قناة السويس أسرع ممرّ تجاري بين القارّات
منذ القدم حاول البشر استغلال البحر من اجل التجارة و ذلك كحلّ لتلك المدن الغير مرتبطة ترابيّا من اجل ...

عرض المزيد ...

هل حقّا هناك حماية إلكترونية ؟
للصدفة أيضا دورها الكبير وراء العديد من الاكتشافات فتفاحة جاءت بالجاذبيّة وخلط بعض المواد الكيميائية ..

عرض المزيد ...