الحضارة الفرعونية: سِحْرُ الأُسَرِ الحاكمة

معالم و حضارات الأحد 28 فبراير 2021
الحضارة الفرعونية: سِحْرُ الأُسَرِ الحاكمة

يُحكى أنّه منذ حَوالَي ستة آلاف سنة مَضَت، أرض مُتَرامِيَة الأطراف، خِصبَة، تَنهَل منَ النّيل فَتَرتَوي وتُنبِت من الشّجر والثَّمَر, وتُغري بَشَرَ تلك الحقبَة بحطِّ الرّحال في رُبوعها، كانت بيئَة مِضيافَة جاذِبَة للسّكان واعِدَة بالحياة لِما فيها من مُؤثّثات الرّفاهيَة، لعلَ الزراعة أهَمها.

لكنّها كانت أرضا مُفكّكة بين شمالٍ وجنوبٍ، حتى العام 3150 ق.م حين عزم "نَارْمَرْ" أو "مِينَا" ملِك الجنوب على احتلال الشّمال وضمّه لمُلكه، هاهي لوْحة نارْمر -وثيقة من أقدم الوثائق التّاريخية- تُظهر صاحبها في مشهد مَهيب يخوض حرْبه نحو الشمال. ومن الجهة الأخرى تراه مُعتليا عرْشه حاملا تاجَيْ الجنوب والشمال، مُنتشيا بانتصاره، انتصارٌ كان الحجَر الأساس لتأسيس واحدة من أعظم وأعرق الحضارات في تاريخ البشريّة. نارمر-مينا مُوحّد مصر ومُؤسّس عهد الأُسَر المَلكيّة الفرعَونيّة.

مرحبا بك عزيزي القارئ في أحد أهمّ محطّات التّاريخ، أنت على مشارف الحضارة الفرعونيّة.
حسب عِلم المِصريات -علم مختص في دراسة تاريخ مصر القديمة- فإنّ الخط الزمني للحضارة الفرعونية تُمثّله الأُسَر الملكية الحاكمة، والتي تخضع بدورها لمراحل زمنية مُحدّدة بدأت بفترة الأسر المُبَكِّرة، وتضمّ هذه الفترة اُسْرَتَيْنِ: الأولى بدأ عهدُها مع "نارمر" وعاصمة حُكمها "مِنْف" أو "مِنْفِس"، والثانية مُؤَسّسُها "حُورَسْ" سنة 2890 ق.م مُتخذا "تَانِيس" عاصمةً. وما ميّز فترة حكم الأسرتين المؤسّستين تركيز الوحدة السياسية وتثبيت أسس الحضارة المصرية.

نحن الآن في العام 2886 ق.م أين بدأت فترة المملكة القديمة التي ضمّت الأُسَرة الثالثة لمؤسسها "زُوسِرْ" الذي كان أوّل من بَنَى الأهرامات: الهَرَم المُدَرج في سُقارة، تليها الأسرة الرابعة وأوّل مُلوكها "سِنِفْرُو"، ثم الأسرة الخامسة و"أُوسِرْ كَافْ" أول مُلوكها، وينتهي عهد المملكة القديمة بالأسرة السّادسة التي كان أوّل ملوكها الملك "تتي" وآخرهم صاحب أطوَل حُكم في تاريخ البشرية "بيبي2" الذي حكم 94 سنة. وبلغت الحضارة المصرية خلال حكم هذه الأسر قمة المجد في علوم الطب والفلك والهندسة فضلا عن كونه عصر بناة الأهرامات.
لتبدأ الفترة الانتقالية الأولى، والتي ضمّت الأسر الخمس الموالية (من الأسرة السّابعة إلى الأسرة الحادية عشر)، فترة عمّت فيها الاضطرابات والفوضى وتراجع الانتاج الفنّي.
تليها الفترة الوسطى بتاريخ 2134 ق.م، التي تضمّ كل من أسرة "إِنْتِفْ" الـحادية عشر وأسرة "الْمَنْتُوحَوْتِبْ" الـثانية عشر، تليهما الأسرتين الـثالثة عشرة والرابعة عشر ، فترة عمل خلالها الملوك على إعادة الاستقرار والوحدة فضلا عن اهتمامهم بالسياسة الخارجية، كما تميّزت بتنفيذ مشاريع ري ضخمة .
وبدخول "الهكسوس" تنتهي الفترة الوسطى ليبدأ عهد الفترة الانتقالية الثانية من خلال الأسرة الخامسة عشر والتي لم تكن مصرية، والتاريخ لم يقدم شرحا شافيا حول هذه الفترة –فترة حكم الهكسوس-لأنها كانت انتكاسَة تاريخية ولأنّ المصريين لم يكتبوا عن هزائمهم إنما قصَروا مَواثيقهم على الانتصارات والأمجاد، وقد ضَمت الفترة الوسطى الأسر 15 و16 و17.

حتى العام 1550 ق.م تاريخ انبعاث المملكة الحديثة على يد "أَحْمُسْ" بطرده للهكسوس، يبدأ عهد واحدة من أهم أُسَرِ التاريخ الفرعوني: الأسرة الثامنة عشر أو الأسرة "التُّحُتْمُسِيَّةِ". تليها الأسرة التاسعة عشر على يد "رمسيس الأول"، لتنتهي الفترة الحديثة بالأسرة الـــعشرين لمؤسّسها "ست ناختي". هذه الفترة بسطت خلالها مصر سيادتها من شمال سوريا وبلاد النهرين إلي الشلال الرابع في السودان، كما عرفت تشييد أعظم المعابد والمقابر على غرار "الكرنك" و"الأقصر" وعاش المصريّون خلال هذه الفترة أزهي مظاهر الرفاهية والفن والعلوم والتجارة.

ها نحن على أعتاب الفترة الانتقالية الثالثة والتي اتّسمت بكثير من الوَهَن في سدّة الحكم، وتفكّكت فيها مصر بعد الاتّحاد، وضمّت الأسر الموالية لكنها لم تكن على قدر مهم من القوّة والتّماسك. حتى تناوَب "النوبيون" و"الآشوريون" بالإضافة إلى الخطر البونابارتي والفُرْس على الحُكم على أرض مصر لكنّهم لم ينجحوا في إعادة هذه الحضارة إلى ما كانت عليه من تماسك وازدهار.
وُصُولا إلى الأُسرة السادسة والعشرين التي افتتحت عهد المملكة المُتأخرة وهو العهد الذي استرجعت فيه مصر حكمها الذاتي وقوتها وبدأ معها عصر النهضة، لكنها سرعان ما سقطت مصر في يد "قكبيز" ملك الفرس سنة 252 ق. م3
وقد تألفت هذه المملكة من تسعة مُلوك أولهم "ستِيفِينَاتس" وآخرهم "بِسْمَاتِيكُوس 3"، وينتهي المُلك الفرعوني عند الأسرة 31 بتاريخ 343 ق.م وآخر الْمُلوك الفراعنة هو "نِخْتْ أَنْبُو الثاني".

لا شكّ أنّ ما ذكرناه لا يَفِي حَق هذه الحضارة، ومن هُنا نفهم مُهِمّة التّاريخ العظيمة، فالتاريخ لا يَنسى ولا يُهمِل ولا يَتجاوز، وحضارة كحضارة المصريّين دليل آخر على أنّ الإنسان، هذا الْمخلوق العبقري وأشدّ مخلوقات الخالق غرابة، قادر على بناء الحضارات وبَعث الأمَم وإرساء المَمالِك وخَوْض الحروب، إنسان مُتعطّش للمَجْد فلا يَسَعُ التّاريخ إلا أن يَكتُب عَنه وبِه.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الحضارة الفرعونية: سِحْرُ الأُسَرِ الحاكمة" شاركنا بها في التعليقات

الكاتب العظيم فيودور دوستويفسكي
لطالما كان الأدب محاكاة للواقع مع رؤية فنيّة للكاتب، مزيج رائع تُخط به القصص القصيرة ، الروايات و الكتب

عرض المزيد ...

مكتبة بغداد : الإرث الإسلامي المحروق
مكتبة بغداد هي من أعظم المكتبات الإسلاميّة العربيّة على وجه الأرض في ذلك الزمان و أقصد العصر العباسي..

عرض المزيد ...