صناديق للجنس

أراء الثلاثاء 02 مارس 2021
صناديق للجنس

عزيزي القارئ، تأمّل معي محيطك وأصدقائك وتعال نسأل صديقتك التي تجلس بجانبك مرتدية قميصا ورديّ اللون، تلك التي تأكل الطعام بتأنّ وتمضغ اللقمة الصغيرة التي وضعتها في فمها برقّة، ولنسأل صديقك الذي يجلس معكما على نفس الطاولة ذلك الذي يرتدي قميصا أزرق والذي أنهى طعامه بعد ثوان من قدومه معتمدا في ذلك تقنية "الالتهام"، أعني هنا أنه ملأ فمه بالطعام ولا يكترث إن اتسخ وجهه وهو يأكل ولا أحد ممن يحيطون بكم في المطعم مكترث للطريقة التي يأكل بها فهو رجل، والرجال يأكلون بنهم.

لو سألناهم عن طفولتهم وطرحنا عليهم سؤالا بسيطا وسهلا، مثلا ماهي لعبتك المفضلة حين كنت طفلا؟ أو ماهي اللعبة التي أهدتها لك والدتك أو والدك في عيد ميلادك؟ وما اللون الغالب على ثيابك؟ فإنّ الإجابات متوقعة قبل طرح السؤال أصلا، فالأكيد أن لعبة صديقك كانت سيارة أو ربما مسدس ولون ثيابه كان رجوليا -أزرق غالبا-. بينما كانت لعبة صديقتك دمية جميلة ولون ثيابها وردي على الأغلب. وهنا لسائل أن يسأل هل هذه صدفة أم أنها فطرة أم أننا ولدنا هكذا؟ (فتاة=دمية/فتى=سيارة)؟ هل أننا ولدنا بأنوثتنا إن كنا نساء وبرجولتنا إن كنا ذكور؟ أم أن أحد ما أجبرنا على نسب اللون الوردي للفتاة واللون الأزرق للذكور؟

فكر جيدا قبل أن تغوص معي في طفولتك ولنتذكر سويا كيف تعامل معنا الكبار (الأب والأم/الأقارب/الجيران..). و حتى نجيب على هذه الأسئلة يجب أن نعبر سويا خارج إطار المجتمع ونلقي نظرة على مجتمعنا من خارج الإطار، لقد صنع المجتمع (هنا أعني المجتمعات جميعا، العربية والغربية) صندوقين إثنين، أحدهما أزرق اللون والآخر ورديّ، ووضع في الصندوق الأزرق السلطة والقيادة والتهوّر وحب المغامرة والعنف وإخفاء المشاعر "القسوة"...إلخ، ووضع في الصندوق الوردي الرقّة والرصانة والخضوع واللين والحنية والمشاعر المرهفة والخوف ...إلخ، وتوارث المجتمع الصندوقين جاهزين فصرنا قبل ولادتنا (في الوقت الذي مازلنا فيه في رحم أمهاتنا ومازلنا لم نتعلم بعد الفرق بين الجنسين أي بين الأسبوع 12 و14 من الحمل) تتحدّد شخصيّتنا مستندين في ذلك على جنسنا، ويتمّ اعتماد محتويات الصندوق "ليقولبنا" حسب تصوره ويربينا حسب رغبته منذ الصغر. فكم من "ذكر" بيننا لم يسمع الجملة الشهيرة "لا تبكِ يا بني فالرجال لا يبكون" -حين سقط وتألم-، وكم من "أنثى" بيننا لم تسمع "لا تلعبي بالكرة، ولا تتسلّقي الأشجار فأنت فتاة مطيعة"، والجمل من هذا النوع عديدة تخلق بيننا (أي الذكور والإناث) بطريقة غير مباشرة خط واهم يفرقنا وكأننا لا ننتمي لنفس "الفصيلة".

على هذا الأساس كبرنا ونحن نعتقد أن ما "نُحت على عقولنا" (دون موافقتنا/دون علمنا/دون فهمنا) حقيقة مطلقة غير قابلة للنقاش أو التغيير لتعتقد الأنثى أنها لو لم تأكل بتأنّ فهي لا تنتمي 'لمعشر النساء' ويعتقد الذكر أنه إن لم يأكل بنهم فهو لا ينتمي 'لمعشر الرجال'، (مثال ساذج لتبسيط المسألة وأنت قادر على إسقاط هذا المثال على أي تصرف آخر بين الجنسين). وهنا أريدك أن تفترض؛ ماذا لو أن المجتمع تخلى عن هذين الصندوقين وعوملنا منذ الصغر بنفس الطريقة، هل كنا سنعتبر التعبير عن الأحاسيس حكرا على النساء والصلابة حكرا على الرجال؟ هل كنا سنعتبر تربية الأنثى سهلة (تلك التي وضعت في قالب "وردي" حين نطقت حرفها الأول {تربيتها بطريقة غير مباشرة على الرقة من خلال الألعاب "اللطيفة" التي تقدم لها؛ وعموما تكون ألعابها "بيتوتية"} وحصرها في هذا القالب حين تبدأ في الكبر {تلقينها بطريقة غير مباشرة كيف تكون "أنثى" بالمفهوم "المجتمعي التقليدي" من خلال تحديد طريقة الجلوس وطريقة الأكل وطريقة الحديث بهدوء..؛ اللائق لها كأنثى} حتى تعتبر أنها حقا ولدت في هذا القالب ولم تتقولب فيه بسبب جنسها) وتربية الذكر صعبة (ذلك الذي وضع في قالب "أزرق" حين نطق بأول حرف {تربيته بطريقة غير مباشرة على الصلابة من خلال الألعاب "العنيفة" نوعا ما التي تقدم له؛ في كثير من الأحيان تكون ألعاب خارج إطار المنزل} وحصره في هذا القالب حين يبدأ في الكبر {تلقينه بطريقة غير مباشرة كيف يكون "رجلا" بالمفهوم "المجتمعي التقليدي" من خلال منحه الحرية في التصرف كما يريد والجلوس كما يريد والصراخ كما يريد...} حتى يعتبر أنه ولد في هذا القالب حقا ولم يتقولب فيه بسبب جنسه)؟.

أطلق العنان لخيالك عزيزي القارئ وافترض؛ ماذا لو أن المجتمع إعتمد نفس الطريقة لتربيتنا، وترك لنا حرية اختيار الصفات التي نريد اكتسابها حسب رغبتنا/أو ربما حسب فطرتنا دون تدخل خارجي منه؟ هل كنا سنلتزم بما يوجد في صناديقه أم أن الأمر كان ليكون مختلفا تماما عما سطره لنا؟ افترض فقط ماذا لو..

شارك المقال

ماذا تعرف عن "صناديق للجنس" شاركنا بها في التعليقات

انا تلك التي
...التي، حين تقرأ العنوان سيأخذك فكرك إلى تلك وتلك و تلك... و سيأخذني فكري الى الأنا خاصتي التي لا يشب ...

عرض المزيد ...

المراة عنوان كل جميل
إلى نساء العالم أوجه رسالتي، أنتنّ القوة بجاهكنّ المتّصف بالكيد العظيم وأنتنّ العقل بعقولكنّ المتّهمة با ...

عرض المزيد ...