الكتابة، من النّشوء إلى الارتقاء...

تاريخ الأربعاء 03 مارس 2021
الكتابة، من النّشوء إلى الارتقاء...

"أن يوسف نادر أحببت لغة سره هراء البارحة مجزوع"، كلمات عادية لكنها ليست مفهومة، أليس كذلك؟ وكذلك كانت بالنسبة للأعداء. فهذه الجملة الغريبة إن صحّ تسميتها بالجملة هي عبارة عن رسالة بين العرب زمن الحرب تحمل بين ثناياها رموزا وخبايا يعجز العدو عن كشفها. تلك الكلمات المتفرقة ما هي إلا "شيفرة" سرية تُفكّ بالجمع بين الحروف الأولى للكلمات فيصبح مفادها "أين السهام". ليأتي الرد مشابها "فارسنا يهذي طيرا رقبة يركب قصرا هذيان المريض إن لام يرمي كثيرا"، ومُفادها "في طريقها إليك".

تتجلى هنا قدرة الحرف والكتابة على إيصال المعنى الدقيق للمقصود، فهذا الأخير على استحالته تخُضعه اللغة والكتابة لأحكامها وسُننها فيصبح ليّنا سهل الإدراك. فنرى الكتابة قد انتقلت عبر العصور من صور ورموز تعبيرية مبهمة منقوشة على ألواح من طين لتصل اليوم إلى حروف محكمة الرسم على لوحة المفاتيح في جهاز الكمبيوتر لأتمكّن الآن ببساطة من كتابة هذا المقال المتواضع.

دعنا -عزيزي القارئ- نخوض هذه الرحلة مع الكتابة ونستكشف سويّا مراحل تطوّرها من أوّل ظهور لها إلى أن أصبحت فنّا مرئيّا وعلما يحسُن استغلاله في مجالات شتى.

يُعدّ الصّراخ من أولى طرق التعبير، وهو أمر فطري خُلق مع الإنسان لم يبذل مجهودا لاكتسابه، يستقبل الحياة بصرخة مدوّية محمّلة بمجموعة من الأحاسيس والدلالات المختلفة التي قد يريد إيصالها من بينها تشبّثه بالحياة، أو ربّما الجزع والخوف وربما الألم ...

هي صرخة واحدة كفيلة ببثّ السّعادة والطمأنينة في قلب الأم ومن حولها، وضمان سلامة الطفل وبقائه على قيد الحياة، فإذا ما ابتعد الإنسان عن الغريزة الأولى واندمج في الحياة الجماعية وجب عليه التعبير والتخاطب بطرق أخرى غير الصراخ فتعدّدت هذه الطرق والوسائل ليتواصل البشر فيما بينهم على مرّ العصور.

يهدف الإنسان بطبعه إلى تحقيق نظرية حسن البقاء نظرا لما زرعه فينا الله سبحانه وتعالى من روح دؤوبة مُحِبّة للتعلّم والتطور بصفة غريزية، فهو يسعى جاهدا لتطوير مقوّمات حياته عبر العصور، من بين هذه المقوّمات يعتبر البحث عن وسائلَ للتعبير غير أساليب التخاطب البدائية كإصدار الأصوات والإيماء بالحركات قضيّة شغلت الإنسان أمدا بعيدا.

الخواطر والأفكار، التخطيط للقيام بالأشياء، حفظ المعلومات المهمة، تخليد التاريخ وسرد أحداثه وغيرها من الدوافع القوية التي حفّزت الإنسان من أجل ابتكار طريقة للتعبير غير تلك الطرق المتداولة بالفطرة والغريزة. فالتجأ الإنسان في محاولات عديدة لرسم الكلمات وتصويرها وعمل جاهدا على تحسينها لنرى الكتابة على الشكل الذي نراها عليه اليوم. لكن كيف كانت الكتابة في أول ظهور لها يا ترى؟ ومتى كان ذلك؟

لا يمكن تحديد زمن محدّد لاكتشاف الكتابة، فهذا الأمر سيبقى مُطلقا مهما حاول المؤرّخون، فلا نستطيع نفْي محاولات الإنسان في العصر الحجري في ابتكار طرق كتابية للتعبير، وذلك عن طريق الصور والرموز بيد أنها ظلت مُبهمة وعصيّة على الفهم ليومنا هذا رغم مجهودات العلماء والأخصائيين المبذولة.

في أوّل ظهور لما يُعتبر كتابة فعلا، كانت الكتابة على هيئة نقوش معيّنة على ألواح من طين، شمع، معدن أو من حجارة بواسطة أدوات حادة الرأس، وهي الكتابة المسمارية. ظهرت أول مرة في بلاد الرافدين على يد الشعوب السومارية وكانت متداولة في جنوب غرب القارة الآسيوية، ويعود تاريخ أول لوحة الى 3600 قبل الميلاد وظلت الكتابة المسمارية سائدة حتى القرن الأول ميلادي.

سنة 2400 قبل الميلاد، شهد الخط المسماري تحولا حيث اعتُمِد لكتابة اللغة الأكديّة، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وقد تم مؤخّرا فك رموز هذه الكتابة ليتمكن العلماء بحلول القرن التاسع عشر من فهم النصوص التي خلّفها القدماء من رسائل وملاحم وسجلات رسميّة ومعاملات تجاريّة مسماريّة.

بعد ظهور الكتابة المسمارية بمدة زمنية بسيطة ظهرت الكتابة الهيروغليفية في الفترة ما بين 3300 قبل الميلاد و3200 قبل الميلاد، كتابة مستوحاة من الصور والرموز الشائعة في البيئة المصرية كالحيوانات، أجزاء من جسم الانسان، المطرقة وغيرها من الرموز، وظلت الكتابة الهيروغليفية متداولة حتى القرن الرابع ميلادي، لتأتي فيما بعد كتابة مشتقة منها وهي الكتابة الهيراطيقية لكنها مبسطة ومختصرة، مخصّصة لكتابة الخطابات والوثائق الإدارية والقانونية. وكانت هذه الوثائق تُكتب بالحبر علي ورق البردي وبقيت هذه اللغة سائدة حتى القرن السابع قبل الميلاد، لتحلّ محلها فيما بعد اللغة الديموطيقية.

في حدود عام 1400 قبل الميلاد، أصبح باستطاعتنا البدء بالتحدّث عما يسمى بالأبجدية، ظهرت الأبجديات المكتوبة عن طريق الناطقين بالسامية الشمالية الغربية، وهي شعوب بلاد الشام وسيناء.

في "أوغاريت" الواقعة على الساحل السوري، توصل أهلها إلى إبداع أوّل أبجدية عرفها الإنسان، حيث تم استخدام الكتابة المسمارية واختصار مئات المقاطع منها إلى 30 حرفا تُكوّن الأبجدية الأوغاريتية، التي تتلخّص بجعل إشارة خاصة لكل صوت ساكن ويدعى الحرف.

بعدة مدة زمنية ليست بالبعيدة، ابتُكرت الكتابة الفينيقية حوالي 1100 قبل الميلاد، وهي مستمدّة من الكتابة السومارية والمصرية القديمة على يد الفينيقيين، سكان السواحل الشرقية لحوض البحر الأبيض المتوسط، وهي كتابة بواسطة حروف، كل حرف يمثل صوتا معينا، أصبحت هذه الحروف سهلة الكتابة. وكانت أساسا للكتابة في الشرق والغرب بالعالم القديم.

فيما بعد، نقل الإغريق أبجديّتهم عن الفينيقيين وطوّروها حوالي سنة 403 قبل الميلاد لتصبح أساسا للأبجدية في الغرب، بعد ذلك أخذ منها الرومان حروفا وأدخلوا عليها حروفا أخرى وكوّنوا الأبجدية الرومانية، التي سادت أرجاء أوروبا زمن حكم الإمبراطورية الرومانية مقترنة باللغة اللاتينية، حيث يقول هيرودوتس: "الفينيقيون هم الذين أطلعوا الإغريق على الكثير من العلوم ومن بينها علم الحرف، ويبدو أن الشعوب الإغريقية كانت قبل ذلك تجهل تماما استعمال الحروف... فقد أخذتها عن الفينيقيين واستعملتها بشيء من التحريف وأطلقت عليها اسم الفينيقية". (هيرودوتس: المجلد الخامس -58-).

تتالت الأبجديات وتعددت من بينها الأبلوية الخاصة بشعوب مملكة أيبلا شمال سوريا والأنكا الخاصة بالمكسيك وأبجدية تيفيناغ والمروية وغيرها من الكتابات والأبجديات التي تعاقبت على الإنسانية.

تلك الاثارة التي تراودنا ونحن أطفال في محاولات يائسة منا لرسم الحروف أول مرة، شعور يخالجنا بين السعادة واليأس في كل مرة نحاول فيها محاكاة الحرف على ألواحنا، مشاعرنا ومجهوداتنا، سبقتها مراحل عديدة وجهود عظيمة لتصلنا الحروف بالشكل المريب الذي نراها عليه ونحن أطفال، حيث ترافقت مراحل تطور الكتابة مع ارتفاع مدارك العقل الإنساني ومحاولته مواكبة متطلبات ومقتضيات عصره، فانتقلت الكتابة من المرحلة الصورية التي تقوم على التعبير من خلال الرسم، إلى المرحلة الرمزية، ثم بعد ذلك عمد الإنسان إلى أسلوب أبسط للتواصل وهي المرحلة الصوتية، كلها كانت مراحل ثورية تمهّد لظهور الكتابة المعروفة حاليا.

شقت الكتابة طريقا وعرا لتخرج من الظلام الدامس في الكهوف وترى النور بين الكتب ولوحات مفاتيح الهواتف والحواسيب، طريقا تطوّرت خلاله من صور ورموز مبهمة على جدران المعابد والكهوف إلى لوحات جدارية يتمازج فيها الحرف بالفن تأبى العين مغادرتها، شقت طريقها إلى النور حاملة إلينا مشعل العلم والفكر، لتبقى الطريقة التي تعلم بها الإنسان كيفية تجسيد اللغة بواسطة الكتابة من أعظم المعجزات في تاريخ الحضارة البشرية والتي ما تزال تتصدّر قائمة الانجازات في نجاحه كجنس بشري.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الكتابة، من النّشوء إلى الارتقاء..." شاركنا بها في التعليقات

الموكب الملكي : ملوك مصر يجبون الشوارع
حقيقة اجد صعوبة في اختيار نقطة زمنية معينة تُسرد منها قصة التاريخ المصري العظيمة، فمصر موغلة في القدم قد ...

عرض المزيد ...

الحشّاشون قتلة ام متدينون؟
إنّ جلّ الصراعات التي حدثت على مرّ التاريخ هي صراعات فكريّة تتراكم و تتحول إلى صراعات دمويّة تزهق الأرواح خ ...

عرض المزيد ...