الفساد: آفة كل العصور

قضايا المجتمع الثلاثاء 02 مارس 2021
الفساد: آفة كل العصور

"مكافحة الفساد"، "ملاحقة الفاسدين" وغيرها من الشعارات التي يتغنّى بها الجميع في حملاتهم الانتخابيّة وبرامجهم السياسيّة، والطّريف أن الجميع يتبرّأ من الفساد ويتّهم غيره به، جدل يدفعنا للبحث عن مفهوم الفساد وأسبابه وحدوده.

الفساد ظاهرة اجتماعيّة موغلة في القِدم عانت منها جميع المجتمعات عبر التاريخ، وقد استهجنتها جميع الديانات والأعراف، ولطالما اعتُبرت من خوارم المروءة، وعارًا يلاحق الموسوم به طول حياته، لكن رغم ذلك لم ينقطع الفساد على مرّ الزّمان بل نجده يتنامى ويزدهر خاصّة عند الأزمات سياسيّة كانت أو اقتصاديّة أو اجتماعية أو صحيّة، ممّا يجعلنا نعتبره آفة من آفات العصر ومن أهمّ العوائق أمام التقدّم والقضاء على الفقر خاصة في الدول النّامية أو تلك التي في طريق النموّ.

الفساد على خطورته، لا نجد له تعريفا محدّدا، ذلك أنّ كلّ جهة تنظر إليه من زاويتها الخاصّة، فعلماء الاجتماع يعبّرون عنه بالخروج عن الأعراف والقوانين وعدم الالتزام بهما وانتهاك قواعد السلوك الاجتماعي، وقد ذكر العلامة ابن خلدون الفساد ومظاهره وأطنب في تحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة والثقافية المتسبّبة في انتشار الفساد وبلغ به الأمر إلى اعتباره "مؤذن بخراب الدولة".
أمّا التعريفات القانونية فلا نجد فيها تعريفا محدّدا للفساد وإنّما حصرته في المجالات التي يُساء فيها استخدام السلطة، وارتبط أساسا بالمكاسب غير المشروعة التي يحقّقها شخص ما من ذوي النفوذ والسلطة أو الوظيفة ممّا يدخل تحت باب التهرّب الضريبي ونهب المال العام والرشوة والمحسوبيّة...
وقد عرّفت منظمة الشفافية العالمية الفساد بكونه:" إساءة استخدام السلطة العامة من أجل تحقيق منفعة شخصيّة أو كسب عام"، وغير بعيد عن هذا التعريف نجد في المرسوم الإطاري المتعلّق بمكافحة الفساد في الجمهورية التونسية، (المرسوم عدد 10 لسنة 2011 المؤرّخ في 14 نوفمبر 2011) نجد التعريف التالي للفساد: " استخدام السلطة أو النفوذ أو الوظيفة للحصول على منفعة شخصيّة " .
للفساد وجوه متعدّدة وهو ظاهرة متشعّبة، ولم يعد مُقتصرا على المسؤول أو صاحب النّفوذ وإنّما أصبح يمارسه أيضا المواطن العادي البسيط، واتّخذ الفسادُ أبعادا واسعة وتعدّدت أسبابه واختلفت درجته من مجتمع لآخر، ممّا جعله يحظى باهتمام الباحثين المختصّين في الاقتصاد والقانون والسياسة والاجتماع، اعتبارا لآثاره السلبية في المجال السياسي والاقتصادي والتنموي والاجتماعي، وقد كشفت تقارير منظمة الشفافية العالمية أنّ أكثر من ثلثي دول العالم لم تنجح في معالجة آفة الفساد، هذه الصورة القاتمة تجعلنا نتساءل عن أسباب هذا الانحدار الذي يشهده العالم نحو الفساد، وعن العوامل التي تساعد على تفشّي هذه الظاهرة المشينة، لكن قبل ذلك لنتحدّث عن تمظهر وأشكال الفساد والتي يمكن تلخيصها في:
- استغلال النفوذ والمنصب والسلطة،
- الرشوة والمحسوبيّة،
- تهريب الأموال واختلاسها وتبييضها،
- التهرّب الضريبي والجمركي،
- تضارب المصالح وتقديم المصلحة الخاصة على المصلحة العامّة،
- شراء الذمم في الانتخابات والتحالفات السياسية المشبوهة،
- استغلال موارد الدولة من أجل تحقيق مصلحة فردية أو حزبية أو فئويّة،
- تفشّى ظواهر اجتماعية غير مألوفة تمسّ من مقوّمات وهوية المجتمع،
- انتشار المخدّرات وارتفاع منسوب الجريمة،
- تفشّي الفقر وارتفاع نسبة البطالة،
- انتشار ثقافة التعايش مع الفساد واعتباره جزء من مستلزمات الحياة ومقتضياتها،
- انحراف سلوكي وأخلاقي فردي أو جماعي،
- غياب الثقافة الملتزمة وانتشار ثقافة التفاهة والميوعة،
- تدنّي مستوى النموّ وغياب الاستثمار...

أمّا بالنسبة لأسباب ظهور الفساد وانتشاره، فلئن تتعدّدت وتنوّعت حسب المجال الذي يكتسيه اقتصاديا أو سياسيا أو أخلاقيّا أو وظيفيّا وإداريّا، فإنّه يمكن تلخيصها في التالي:
- غياب الشفافيّة،
- ضعف المنظومة القانونية والتشريعيّة المتعلّقة بمكافحة الفساد ومتابعة الفاسدين،
- غياب الوازع الديني والقيمي،
- ضعف الدولة أمام "بارونات" الفساد،
- غياب وعي إعلامي يحارب الظاهرة ويشهّر بها،
- التأخّر في استعمال التكنولوجيا الحديثة لتتبّع الفاسدين وتنصيب أجهزة المراقبة،
- تهميش دور المجتمع المدني وهياكل الرقابة...

إنّ انتشار ظاهرة الفساد وتحوّلها في بعض البلدان إلى ثقافة سائدة، وما تسبّبت فيه من تراجع النمو الاقتصادي وانتشار الفقر والخصاصة جعل الأصوات تتعالى بمجابهة هذه الآفة التي تنخر أسس الدول والأنظمة ودمّرت اقتصادها وأصبحنا نشهد تنامي وعي عام لدى أفراد الشعب ومختلف قُواه ينادي بضرورة محاربة هذه الظاهرة وتتبّع رموزها ومحاسبتهم وتشديد العقوبات عليهم حتّى يرتدع كل من تسوّل له نفسه اتخاذ الفساد منهجا له.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الفساد: آفة كل العصور" شاركنا بها في التعليقات

سيْكولوجية الإلحاد: بِمَنْ أؤمِن؟
من أنا؟ من خلقني؟ كيف وُجدت في هذا العالم؟ من هو الله؟ أين هو؟ لِم لا أراه؟ هي أسئلة كثيرة طرحتُها على ...

عرض المزيد ...

فلسطين ما هنت ولن تهني ابدا
- كيف حالك؟ - كفلسطين؟ - وما بال فلسطين؟ - فائقة الجمال، شديدة الحزن، منهكة جدا لكنها قوية جدا جد ...

عرض المزيد ...