كلمة وكليمة في أدب الرافعي

أدب و فنّ الخميس 04 مارس 2021
كلمة وكليمة في أدب الرافعي

هناك مقولة للزعيم المصري مصطفى كامل تقول: "وسيأتي يوم إذا ذُكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمةُ العالية مصوغة في أجمل قالب من البيان". وهو فعلا ما قد كان، فقد لقّب الرافعي بمعجزة الأدب العربي ولا تزال كتاباته إلى يومنا هذا مقصد القرّاء والباحثين لما فيها من حكمة بالغة وأسلوب سلسٍ فريد.

من هو الرافعي :

مصطفى صادق الرافعي (1880-1937م) هو أديب وشاعر وفقيه مصريّ المولد والنشأة يعود أصله إلى طرابلس الشام. حرصت أسرته على تربيته تربية مثالية من خلال غرس القيم والمبادئ الإسلامية السمحة فيه، فنشأ نشأة صالحة وحفظ القرآن الكريم كاملا وهو ابن عشر سنوات فقط، لم يحصل الرافعي في تعليمه على أكثر من الشهادة الابتدائية، وكان انقطاعه عن المدرسة -وهو في السابعة عشر من عمره- بسبب ما أصاب أذنيه من مرض الصمم واحتباس الصوت، إلا أنّ انقطاعه عن الدراسة الأكاديمية لم يضعف عزمه أو يقتل طموحه فانتقل إلى التعلّم الذاتي وسخّر وقته وجهده لقراءة كتب الأدب والدين والترجمات المتنوّعة ممّا أكسبه خلفيّة معرفيّة شاملة ومهارات أدبيّة عظيمة، للرافعي مقولة جميلة فيما يخص مرضه: " إن كان الناس يعجزهم أن يسمعوني فليسمعوا منّي" فأسمع أدبه الملأ وأطربهم وبلغ فنّه مشارق الأرض ومغاربها.

أسلوب الرافعي في الكتابة :

برع الرافعي في الشعر والنثر معا وجال بفكره في مواضيع عديدة ومباحث كثيرة، إذ يُعرف عنه تعلّقه الشديد باللغة العربية الفصحى ودعواته المستميتة للتمسّك بها والعودة إلى أساليبها الكلاسيكية، كما يُعرف بترويجه لضرورة التمسّك بالهوية العربية الإسلامية ومعالجته لمختلف القضايا الاجتماعية، فأساليب الرافعي في مختلف أعماله عديدة ومتنوّعة تشدّ إليها الطبيب والمهندس قبل الأديب واللغوي، إذ يعتمد الأسلوب الأدبي في اختيار التراكيب والألفاظ ويراعي في ذلك قواعد اللغة مع حرصه على التجديد والابتكار، كيف لا وهو القائل: "لا قيمة لكاتب لا يضع في اللّغة أوضاعاً جديدة".

تألّق الرافعي أيضا في الأسلوب القصصي مُعتمدا الرموز والدلالات، كما عرف عنه اعتماده أسلوب التناصّ القرآني فكان يُضمّن أحيانا الآيات على وجهها المذكور في القرآن الكريم ويستوحي منها المعنى في تراكيبه أحيانا أخرى.

اعتنى كاتبنا منذ نعومة أظافره عناية خاصة بالتاريخ، فهو بالنسبة إليه منبع الحكمة والعظة ومصدر إلهام للمتأمّل، يفهم به واقعه ويستشرف من خلاله مستقبله، يتعدّى أسلوب الرافعي مجرّد السرد القصصي بهدف الإخبار عن الأحداث التاريخية ليتوغّل في تقرير الأبعاد الفلسفية للتاريخ، فنجح ببراعة في إضافة بصمة فارقة في التعامل الأدبيّ مع الأحداث التاريخية، وجدير بالذكر أن الرافعي يتصرّف بذكاء عجيب في القصص التاريخية فعادة ما يقوم بدمج التاريخ بالواقع الذي نعيشه، كما يندمج مع الحبكة الدرامية اندماجا كليّا فيخلق شخصيات وأحداث تساعده على إضفاء طابع المتعة والإثارة على الأحداث، وهو ما نال استحسان القرّاء وجذبهم إلى أدبه.

يعتبر كتاب "تاريخ آداب العرب" -بأجزائه الثلاثة- من أهم ما أضاف الرافعي إلى الساحة الأدبيّة وهو ما اعتبره الكتّاب دراسة علميّة فريدة لتاريخ الأدب العربيّ.

يشاع بين القرّاء أنه من أراد التعرّف على الرافعي حق المعرفة فعليه قراءة كتابه "وحي القلم"، ففيه أظهر إبداعا فكريّا وفنيّا ونجح ببراعة في إبانة قدراته الأدبيّة وأخلاقه العالية بالإضافة إلى عواطفه وأحاسيسه، يتكوّن الكتاب من ثلاثة أجزاء هي عبارة عن مجموعة مقالات وقصص كتب الرافعي معظمها في مجلّة "الرسالة" المصريّة، وقارئ هذا الكتاب يلتمس بلا ريب ثراءً بلاغيّا وبيانيّا لما اعتمده فيه الكاتب من أساليب إنشائيّة وسرديّة عديدة، منها الخطابة والمقالة، ومن أساليبه أيضا السرد على لسان حيوان ليبلّغ من خلاله فصلا من فصول القصة بهدف الحكمة والموعظة أو النقد البنّاء، وهو جنس أدبيّ يحاكي فيه الرافعي ابن المقفع.

فلسفة الحبّ عند الرافعي :

يعدّ الرافعي ملك فلسفة الحب والجمال بلا منازع، تداعب أعماله تلافيف الروح وتحلق بها في سماء الرّقة والعذوبة، فلكلّ عمل أدبيّ من أعمال الرافعي في هذا المجال وطأة خاصة وأثر فريد على نفس القارئ، إذ أن الحبّ عنده فنّ والمُحبّ بدوره فنّان يرسم لوحة عشقه وهيامه بريشة من نور ورقيّ خالص، وقد أضفى طابعا دينيّا قدسيّا على هذا الشعور النبيل وارتقى به من معانيه التقليدية إلى مزيج فلسفيّ مهيب من الأدب والدين والسياسة.

يعتبر الكاتبُ الحبَّ عالما مليئا بالتناقضات فمن فرح إلى كدر ومن همّ إلى فرج ومن دموع إلى غبطة، وحقيقة الحب عنده امتزاج قلوب المحبّين وأرواحهم بكلّ التفاصيل والحقائق المخبّأة فيها، وأقصى درجات الوله عنده ذوبان بين أرواح المحبّين في المشاعر والأفكار والأشواق والآلام. كما ترتبط مفاهيم الحب عنده ارتباطا وثيقا بالجمال، فلا يبلغ منتهى العشق إلا من التمس مواطن الجمال والبهاء في شكل المعشوق وروحه، والحب والحياة عنده وجهان لعملة واحدة.

أرأيت إحساسك عند استماعك إلى مقطوعة موسيقية فريدة تسافر بك بين العوالم فتحلّق بفكرك وعاطفتك بعيدا جدّا؟ ستجد نفس الإحساس -أو ربما أكثر- وأنت تبحر بين صفحات "أوراق الورد" أو "رسائل الأحزان" أو "حديث القمر" للفنّان الرافعي.

لن تكفينا -عزيزي القارئ- أسطرنا القليلة هذه لإنصاف الإبداع الخالص في أدب مصطفى صادق الرافعي ولكنّه غيض من فيض وقليل من كثير نستلهمه من فنّه ونبوغه وإبداعه.

 

إقرأ أيضا : 

الخط العربي: كلمات على جدار الصمت

الرابطة القلمية : المدرسة الأدبيّة الحديثة

شارك المقال

ماذا تعرف عن "كلمة وكليمة في أدب الرافعي" شاركنا بها في التعليقات

انمي ناروتو : سباق لتحقيق السلام
"ناروتو" كلمة تسحبني احيانا من أطنان اليأس الذي اكتنفني طوال فترة مراهقتي من واقعي المرير الى عالم ...

عرض المزيد ...

"لا للعنصريّة" من قضايا السينما
عدا عن كون السينما وسيلة ترفيهيّة بالنسبة للأفراد أصبح تأثيرها يتجاوز الترفيه بأشواط كبيرة، كالدعاية..

عرض المزيد ...