لِمَ نَخَافُ التَّرْكَ: نظرية الألم الاجتماعي

علوم الجمعة 05 مارس 2021
لِمَ نَخَافُ التَّرْكَ: نظرية الألم الاجتماعي

لئن اختلف الأدباء والشعراء والرسّامون والفنّانون في طُرق تعبيرهم عن شعور الفقْد، لغة وصورة ولحْنا.. فإنّهم اشتركوا في كوْنهم لخّصوا وقْع قطْع العلاقات البشرية بوصْفها بالمُؤْلمة، لا فقط في اللّغة العربية بل في شتي اللغات، ففي اللغة الانجليزية مثلا نقول: Broken Hurt Like a Broken Bone "ألَم القلب مثل كسر العظم".

و ينصّ الفهم العام لعلم النّفس على أنّ البشر مدفوعون بالفطرة نحو إقامة روابط وعلاقات إجتماعية نتيجة احتياجات بيولوجية كانت تُلبيها بدورها علاقات مَبنية على الحاجة، الحاجة للغذاء، الأمن، السكن، النظام...

مثلا: يحتاج المَولود الجديد إلى الغذاء والرعاية والتنظيف من الأم حتى يكتسب القدرة الذهنيّة والبدنيّة التي تُخَوّل له الاعتماد على نفسه، ونحن نتحدث هنا عن علاقة طويلة المدى نسبيّا بين الوالد والمولود، وما أن يحين زمن زوال معالم هذه العلاقة القائمة على الارتباط الشديد، آذنة بأنه قد بلغ أخيرا حدّا من الوعي يجعله مسؤولا عن تلبية حاجاته بنفسه والتخلص من تبعيّة الغذاء والأمان التي كانت الأم تؤمّنها له بشكل أساسي، هذه الاستقلالية ستحتّم عليه الدخول في علاقات أخرى والتي كانت بدورها تُلبي احتياجاته المختلفة.

لسائل أن يسأل هنا: ما علاقة ما ذكرناه بمشاعر الألم والفقد؟ فنجيب: إنّ ما يسبّبه نقص الحاجة إلى الغذاء مثلا من جوع وألم تتمّ معالجته بالأكل ضمانا للبقاء، كذلك غياب الشخص الراعي لاحتياجات الإنسان في سنواته الأولى يسبب التوتر والألم وعدم الراحة، لذلك تجده في سعي دائم طوال حياته إلى إقامة علاقات مختلفة مع الآخر، متأرجحا بين القبول والرفض، التواصل والقطع. وبين هذه وتلك تتولّد مشاعره بين الرضا والاستقرار (في الحالة الأولى) والألم والارتباك(في الحالة الثانية).

أما سؤال: هل فعلا يسبب الرفض من الآخر هذا الكمّ من مشاعر الألم والخيبة أم أنه ضرب من المبالغة؟
أجابت عن هذا السؤال نظرية أقامها الزوجين الباحثين في قسم علم النفس في جامعة كاليفورنيا Naomi Eisenberger وMathew Lieberman سنة 2005، حيث طرحت النظرية مصطلح "الألم الاجتماعي" في دمجٍ للعلاقة بين الألم العضوي المادي والألم المعنوي في محاولة للإجابة عن سؤال: "لماذا يؤلمنا الفراق؟"
كان هدف النظرية هو معرفة سبب الإحساس بالألم حين يُترك الإنسان، بغض النظر عن سبب وطريقة التّرك (موت / رفض / خصام / خلاف / خيانة..)

ولتنفيذ النظرية خلق القائمون عليها لعبة تتمثل في أن يتبادل الشخص الخاضع للتجربة رمي كرة مع شخصين آخريْن لا يعرفهما ولا يراهما، بعد مدة قصيرة سيتوقف الشخصان عن رمْي الكرة للشخص الثالث، فيبدو الأمر وكأنهما غير راغبيْن في إشراكه اللعبة وكأنه رُفض وطُرد من اللعبة.
لاحظ الباحثان والفريق الذي كان يتابع الحالة العصبية والذهنية للشخص المعني عن طريق وصله بأجهزة الأشعة، أن المناطق التي نشطت عند الشعور بالرفض والإقصاء من اللعبة، هي نفسها المناطق التي تنشط حين يتعرض الإنسان لألم عضوي مادي كالكسر أو الضرب أو الجرح..

موقف سطحي، لعبة مع أشخاص لا يعرفهم ولا تربطه بهم أي علاقة، تعرّض فيها للرفض كانت سببا في تحريك الخلايا الذهنية المسؤولة عن الإحساس بالألم، ما يعني أن الشعور بالإقصاء والتهميش الاجتماعي والفشل في تحقيق علاقات مستقرة..مؤلم حرفيا !
النظرية أكّدت أن الجسم في حالة التهميش الاجتماعي، يستعير الجزء المسؤول عن الألم الجسدي المادي، لِيُنبّه عن الألم النفسي، وبما أن الإحساس بالوجع المادي ينبّه إلى ضرورة معالجته من خلال تناول الدواء مثلا، فإن الألم المعنوي ينبّه بدوره إلى ضرورة تصحيح علاقاته الاجتماعية والحفاظ عليها لتجنب مخاطر الوحدة والفقد.

وحسب دراسات علمية فإن مرضى السرطان مثلا، غير المُحاطين بدعم أُسري وعاطفي يكون وضعهم الصحي آيلا للتدهور، على عكس الذين تلقوا دعما معنويا وعاطفيا فإن ذلك ساعدهم كثيرا على التحسن.
وحسب شهادات علمية لآلاف السيدات في أكثر من 17 دولة، مفادها أن السيدة التي خاضت عملية الولادة مع مُرافق لها فإن مستوى الألم لديها كان منخفضا كما عزّز فُرص ولادتها بشكل طبيعي وقلّل نسبة استعمال المُسكّنات وقلّص المدّة المخصّصة للولادة وساعدها بشكل عام في تقليص الشعور السلبي تجاه تجربة صعبة كتجربة الولادة، مقارنة بالسيدة التي خاضت التجربة بمفردها.

يبدو أن أجسامنا لم تستعر فقط نظام الإحساس بالألم الجسدي للتعبير عن الألم الاجتماعي، بل هي أيضا استعارت نظام تسكين الألم الجسدي لتسكين الألم الاجتماعي وهو ما يسمى: "نظام شبيهات الأفيون الداخلية" فحسب الدراسات التي عقِبت نظرية الألم الاجتماعي فإن المواد الشبيهة بالأفيُون داخل الجسم (يفرزها بشكل طبيعي) ترتفع مستوياتها عند الرفض العاطفي/المعنوي والتوتر في العلاقات وذلك لحمايتنا من شعور الألم السلبي جدا.

هنا طُرح التساؤل: إن كان الجسم يُفرز نفس المادة عند الألم الجسدي والألم المعنوي، أليس من المنطقي أن تكون حبة تسكين الصداع مثلا مُسكنا للألم المعنوي أيضا ؟ الإجابة كانت: نعم، فحسب دراسة أقامها قسم علم النفس في "جامعة كنتاكي" سنة 2010 فإن حبة "الباراسيتامول" قادرة على تخفيف ألم النبذ الاجتماعي.
من جهة أخرى وبالحديث عن الأفيُون الداخلي الذي سبق وذكرنا أن الجسم يُفرزه لتقليل الأوجاع والآلام العُضوية، طُرح سؤال: هل هذا يعني أن الأفيُون الخارجي المُستخرج من النباتات (المخدرات) لها نفس الدّور؟ يعني هل تساعد المخدرات على تخفيف آلام الفقد والهجران ومشاكل الارتباك في العلاقات؟
الإجابة كانت: لا، بل بالعكس، فقد لُوحظ من خلال تجارب على الحيوانات، أن حقْن الجسم بالمخدّر كان يقلّل رغبته في التواصل ويُعزّز ميْله للعزلة، بالتالي إضعاف علاقاته الاجتماعية، وكأن تعاطي المورفين/الأفيون الخارجي ينافس العلاقات الاجتماعية السويّة داخل أدمغة البشر.

الملفت للنظر بالنسبة للزوجين -القائمين على النظرية- أن التداخل بين الألم العضوي والألم الاجتماعي، لم يكن على المستوى الوظيفي فقط، بل على المستوى الجيني أيضا، أي أن الأشخاص الحاملين لِجينات معيّنة، تكون لديهم حساسية عالية للألم الجسدي والألم المعنوي أيضا، أي أنهم عرضة لآلام معنوية جدية (كالاكتئاب الحاد) بسبب صعوبة تقبّلهم للفقد والرفض من قِبل الآخر.
ما الغاية من طرح هذا الموضوع؟
إلى جانب الدافع المعرفي، هدف هذا الطرح هو: الوعي بأننا نحتاج بعضنا، لا فقط لأن ذلك أَأْمن للجماعة البشرية وأسهل لتوفير الموارد وأصلح للبقاء، وتلبيةً للحاجات الاجتماعية والنفسية.
نحن نحتاج بعضنا البعض من أجل استقرارنا وضمان جودة صحتنا النفسية والجسدية واكتساب القدرة على مقاومة الآلام، نحتاج أن نفيد بعضنا، لأن غيابنا عن حياة المحيطين بنا مؤلم، تماما ككسر يد أو ساق، ولئن كان الكسر يُجبر فيعود كما كان، فهل يُجبَر كسر الرّوح؟

شارك المقال

ماذا تعرف عن "لِمَ نَخَافُ التَّرْكَ: نظرية الألم الاجتماعي" شاركنا بها في التعليقات

الهدّية بين الفنّ و أداء الواجب
الانسان اجتماعي بطبعه لا يستطيع اتّخاذ العزلة منهجا لحياته، حيث يندمج مع الآخرين من الزملاء والأصدقاء والإخوة ...

عرض المزيد ...

سيْكولوجية الإلحاد: بِمَنْ أؤمِن؟
من أنا؟ من خلقني؟ كيف وُجدت في هذا العالم؟ من هو الله؟ أين هو؟ لِم لا أراه؟ هي أسئلة كثيرة طرحتُها على ...

عرض المزيد ...