غدا نلقى الأحبة

أراء الخميس 11 مارس 2021
غدا نلقى الأحبة

النفس البشرية مجبولة على التآلف والودّ، فلا يحلو للإنسان العيش وحيدا منفردا بغير أهل يحبّهم ويحبّونه أو صحب يؤنسهم ويؤنسونه أو حبيب يتنعّم بقربه ويسعد، يعيش الإنسان عمره باحثا عن الأنس في علاقاته، فتتوطّد روابطه العاطفيّة بالآخرين وتتفاوت درجات تعلّقه بهم حسب نوع العلاقات وباعتبار اختلاف الشّخصيّات والطباع.

تتعلّق أفئدتنا بأحبابنا حتى يصيروا منّا ونصير منهم فنتشارك معهم الأفراح ونتقوّى بهم في النوائب والأتراح، همّهم همّنا وسعادتنا حيث كانوا سعداء، لتنصهر بذلك أرواحنا وننعم بحياتنا إذ هم فيها، فمن منّا -عزيزي القارئ- لم تتزيّن ذاكرته بصور جميلة للحظات سعيدة مرّت عليه؟ لحظات جمّلها وجود أعزّ الناس على قلبه فيها، أو من منّا لا يملك شخصا واحدا على الأقل عزيزا على قلبه، يودع لديه أسراره ويشارك معه طموحه وأفكاره؟

يخيّل إلينا أنّ الهناء مع الأحبّة يدوم ونتمنّى من أعماقنا أن يتوقّف عدّاد الزّمن عند اللحظات السعيدة معهم فلا يشوبها كدر ولا ينغّصها انقضاء أبدا، وقد تمضي أعوام من أعمارنا ونحن سجناء لوهم السعادة المطلقة الأبديّة والتي تتحقق بوجود أحبابنا حولنا، غير أن هذه السعادة زائلة لا محالة، وقد يُفجع الفرد منّا في عزيز على قلبه في لحظة لم يكن يتخيّلها قط، لحظة فارقة تنهدم فيها أسوار قلعة السعادة وتتقلّص فيها قدرة الإنسان على الإدراك فلا يستوعب العقل الفراق ولا يقوى القلب عليه، وإنّه لمن أصعب البلايا وأشقّها على الإنسان تلك التي يتجرّع خلالها مرارة الفقد بعد طول التلذذ بجميل الوصال.

الموت، هذه الحقيقة الغيبيّة التي جعلها الله عزّ وجلّ مصير كل مخلوق على وجه الأرض وجعلها أيضا امتحانا صعبا لقلوب المحبّين واختبار َصبرٍ عظيم لا يُوفّق فيه الإنسان إلّا بجهد كبير ووعي أكبر، فلحظات ذهاب الأحبّة عن دنيانا شبيهة بانتزاع القلب من الجسد، آلاف الأسئلة تتبادر إلى أذهاننا لا نجد لها جوابا، آلاف الأسئلة التي تزيد من حجم المعاناة وتفتح في قلوبنا جروحا لا تندمل مهما حاولنا:
كيف سأتمكّن من الاستمرار؟ من يحلّ مكان فقيدي؟ على من أستند في غيابه؟ وغيرها من التساؤلات العديدة التي تترجم حرقة صدورنا، تلك الحرقة التي لا يدري بها أحد سوى الله ولا يعلم هولها إلّا من عاين نفس الجرح وابتلي من حيث ابتلينا.

لسائل هنا أن يسأل: لماذا نعيش تجربة الفقد القاسية؟ وكيف نتصبّر على فراق الأحبّة وغيابهم عن دنيانا؟
أمّا إجابة السّؤال الأول فقد بيّنتها الشريعة الإسلاميّة أحسن بيان وفسّرتها أبلغ تفسير: فالحياة ليست بدار خلود وقرار إنّما هي دار بلاء واختبار، وهي رحلة عبور ذات بداية ونهاية، بدايتها الخلق ونهايتها الموت والفناء، إذ أن المولى تبارك وتعالى خلق الموت كما خلق الحياة وجعله من أعظم المصائب والآلام ليختبر صبر عباده ويجازيهم على ذلك في الدار الآخرة: دار النعيم الدائم.

يقول الله عز وجلّ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (الملك، الآية 2) فجعل الموت ابتلاء وفرضه على جميع مخلوقاته الذين أوجدهم من عدم ثم إليه مرجعهم، وما بين المرحلتين تتقلّب أحوالهم فلا يدوم في هذه الدّار سعادة أو تعاسة. ومهما بلغ تعلّقنا ببعضنا فإنّ حقيقة الموت تفرض علينا الفراق يوما ما: " أحبب من شئت فإنك مفارقه".

وأمّا كيفيّة التّصبّر على فراق الأحبّة، فاسمح لي -عزيزي القارئ- أن أطرق بكلماتي هذه أبواب قلبك وعقلك لعلّك تجد فيها سلوى لأحزان ثقيلة على صدرك. إن غياب الأحبة عن الدنيا لنار نكتوي بها وتكاد تنفطر لها أفئدتنا نحن معشر الأحياء، وإنها لمصيبة عظمى قد تقلب حياتنا رأسا على عقب.

تمرّ علينا الليالي طويلة والأيام ثقيلة فالساعة كيوم واليوم كسنة والسنة كدهر. ننكر الحقيقة أولا ثم نمضي ما شاء الله لنا من زمن نحاول التقبل، ثم ما نلبث إلا أن نسلّم ونعتاد. فنحمل ذكرى ذلك العزيز الراحل في قلوبنا ونستحضر تفاصيله كلها فنضحك لذكرى فرحة عشناها معا وتدمع أعيننا لحزن مرّ علينا، وهنا بالتحديد نشرع في التقوّي بهذه الذكرى، فبعد أن كان الرحيل سبب ألم ولوعة تأتي الذكريات سبب جبر لنا فنستأنس بها على هذا الغياب وكأننا نستحضر وجود أحبتنا حولنا.

نتعلّم الصبر يوما بعد يوم، وإنه على مرارته لباب أجر وفضل عظيم، وقد جعل الله عز وجل في جناته بابا يدخل منه الصابرون إكراما لهم على حسن صنيعهم في الدنيا. فاسترجاع حقيقة الحياة وفنائها الحتميّ والتفكّر في حكمة الله البالغة وما جعل لنا من أجر وثواب على صبرنا يخفّف علينا أيّما تخفيف وجع الفقد والحرمان.

هذا وزد عليه أن الإيمان بحياة ثانية بعد الموت، مما يعني لقاء أحبابنا الراحلين عنا، باب رحمة واسعة لقلوبنا الضعيفة. فالإيمان بحتميّة لقاء ثان يهوّن علينا وطأة الذهاب الأول المحتّم علينا جميعا، فيصبح ذهاب الأحبة عن دنيانا بفضل هذا الاعتقاد أشبه برحلة -وإن طالت- لا بد لها من انقضاء، ثم نجتمع ثانية، ولكن هذه المرة اجتماعا أبديّا لا موت فيه ولا فراق، لا حزن فيه ولا مصيبة.

لابن عقيل مقولة راقية لخّص فيها الكثير مما يمكننا قوله في هذا المبحث وتقول: "لولا أن القلوب تُوقن باجتماع ثانٍ لتفطرت المرائر لفراق المُحبّين" فالفراق حارق والموت مصاب جلل يهدّ الكيان هدّا ويفقد المحبّين صوابهم. ولا يخفّف عن الأنفس ويسلّيها سوى الإيمان باجتماعها ثانية بأحبتّها.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "غدا نلقى الأحبة" شاركنا بها في التعليقات

تأثير الورود
عادة ما تقترن الورود بالقصائد الشعرية فهي عنوان الرومنسية والرقي فنجدها حاضرة في كل العبارات التي تصور الج ...

عرض المزيد ...

إنّما أنتَ أيام
"إنما أنت أيام.." إنّها الساعة الرابعة أو الخامسة ربما , أفقْت باكيا أتقلّب داخل سريري الصغير,توقفت عن البكاء ...

عرض المزيد ...