سيْكولوجية الإلحاد: بِمَنْ أؤمِن؟

قضايا المجتمع الأحد 14 مارس 2021
سيْكولوجية الإلحاد: بِمَنْ أؤمِن؟

من أنا؟ من خلقني؟ كيف وُجدت في هذا العالم؟ من هو الله؟ أين هو؟ لِم لا أراه؟
هي أسئلة كثيرة طرحتُها على نفسي في وقت ما، أو طرحناها ربما كلنا أو معظمنا.
مِنّا من عَثر على إجابته، عن الله، في قلبه، مِنّا من وجده في محنة، مِنّا من رآه في ضحكة ومِنّا من اعتنقه فكرة.
ومِنّا من تعثّر ثم عثَر عليه، ومِنّا من لم يجده بعد، مازال يُحاول، يبحث عنه في ذنوبه وعُيوبه ومآسيه أو ربما عبر انتصاراته ونجاحاته.
ومِنّا من تَوقف عن البحث عنه، أنهَكَه التعب، تعب البحث وتعب اللقاء، لعلّه خاف عظمته، فتراجع، أخلف الوعد والموعد واختار أن يسير في الأرض وحيدا دون رفقة.
اللاإيمان أو اللادين أو الإلحاد، هل هما اختيار فكري محض؟ أم حالة نفسية محضة؟ إيديولوجيا؟ ضرب من التمرد؟ أم شيء من الانتقام؟
بين صفحات المجلد الثالث من" لسان العرب" لابن منظور، يَرِدُنا بعضا من شرح لفظ الإلحاد، إذ يقول 'أبو عبيدة': "لَحَدْتُ له وألحَدْتُ له ولحد إلى الشيء يَلْحَدُهُ، والْتَحَدَ أي مال ولَحَدَ في الدين يلْحد وألْحد مالَ وعَدَلَ، وقيل: لَحَدَ، مَالَ وجَارَ.

في أواخر العام 1999 صدر كتاب "سيكولوجية الإلحاد" أو "إيمان فاقد الأب" «Faith of The Fatherless» لأستاذ علم النفس «Paul Vitz» الذي لاقت أطروحاته الكثير من الاستنكار في صفوف علماء النفس واعتبِرت مرفوضة، نظرا لحداثة الطّرح على علم نفس المعتقدات، إذ ارتكزت جلّ الأطروحات التحليلية منذ نشأتها على سيكولوجية الإيمان وما تعلّق بها من أسئلة حول الإيمان ودوافعه وأشكاله ولم تهتم بشكل كامل بالإلحاد، ربّما لأنّ مفهوم الدين لم يكن على وفاق تام مع فكرة العلم عموما وعلم النفس خصوصا، وهو ما عمّق الفجْوة بين العلم والدين، العقل والنقل، وأجّج الصراع بين المُعسكريْن، فتَسلّحَ جُنْد كل مُعسكر بسلاحه فكان العقل والمنطق والبرهان ذخيرة الأول، والنصّ والمرجع والموروث ذخيرة الثاني. وبِغَضّ النظر عن أنّه لا مجال للفصل بين الذخيرتيْن لأنهما زوجان مُتشاركَا الخُطى، مُزدَوَجَا الآليات ومُتشابهَا المَآل، فإن من اتخذ موقفا من الدين والإيمان، برّر حياده بأنه تديّن بالعقل والبرهان، اختار أن يجد لكل ظاهرة دليلا واقعا وملموسا يراه ويتحسّسه، لذلك كان شعارهم: "نحن عقلانيون نتتبع البرهان أينما كان" وهو ما كرّس الحدود بين المملكتين: مملكة العلم ومملكة الدين، وكل تَعَدٍّ على الحدود هو استعمار وَجَبَت مقاومته ومحاربته.
ولعل «بول فيتز» -صاحب الكتاب- وقد كان ملحدا هو الآخر تجرَأ على حدود المملكة بإحداث زعزعة في سلاحها الحامي لها، إذ اعترف في ثنايا كتابه أن دوافعه للإلحاد لم تكن علمية بل كانت نِتاج أزمات نفسية عاشها فيقول: "بالنظر إلى خبرتي الخاصة فقد صار من الواضح بالنسبة لي، أن الأسباب التي جعلتني ملحدا ومتشككا عندما كان عمري 18 سنة إلى 38 سنة كانت أسبابا سطحية وغير منطقية وبلا نزاهة فكرية أو أخلاقية، وأنا مقتنع أن الأسباب نفسها هي الشائعة الآن بين المفكرين".


في أطروحته، أقرَ "بول" أن العديد من الدوافع النفسية والاجتماعية تقف وراء إلحاد الملحد، إلى جانب الدافع العلمي والإيديولوجي، وهو ما أكده "عمرو شريف" الطبيب والباحث في شؤون الإلحاد حيث وضع خطا فاصلا واصلا بين العوامل النفسية والشخصية والمجتمعية ورغم أن لكل منها حدودها وسماتها إلا أنها متداخلة، فما يعيشه المرء في سنينه الأولى يُطارده حتى يُشكَل الكثير من قراراته وقناعاته المستقبلية لنا أن نُسميها المحطة النفسية، بينما تتشكل المعالم الشخصية في بُؤرة الوعي حينما يتقدم في العمر والتجارب خُطوات وخُطوات، ويُحيط بهاتين المحطتين، محطة الوصول الأخيرة: المجتمع الذي إما يُركز الثوابت النفسية والشخصية ويُعززها، أو يُزعزعها ويُحدث تغييرا فيها.
أكدت هذه النظرية أيضا، دراسة بعنوان "النمط النفسي للملحد" أجراها الباحث في علم النفس «بنيامين هالامي» أُجريت على 320 من أعضاء الإتحاد الأمريكي لتقدم الإلحاد، اتضح أن نصف من تبنّى فكر الإلحاد قبل سن 20 كانوا فاقدي أحد الوالديْن وعدد كبير منهم عاش أزمات نفسية وتربوية صعبة. بيّن «هالامي» من خلال الدراسة، محورية دور الأب في تشكيل الدوافع النفسية لدى الطفل نحو الإيمان أو الإلحاد وهو ما اصطُلح على تسميته بالتقصير الأبوي الذي تحدث عنه "فرويد" وأكد من خلالها أن الطفل من الممكن أن يتزعزع إيمانه بمجرد أن تتهدم أعمدة السلطة الأبوية، فمن يفقدون آباءهم وفاة أو هجرا أو من وجدوا آباءهم جُبناء بصورة مُخزية أو قُساة بصورة طاغية، قد يُعانون صعوبات في تبني فكرة الإيمان بالإله دون وعي منهم حتى .

من العوامل النفسية الأخرى التي من شأنها أن تمهد لفكر الإلحاد، نجد مبدأ الاستحقاق أي أن المتبني لفكر الإلحاد كان قد عاش أوقاتا صعبة دفعته إلى مقارنة نفسه بغيره ممن عاشوا ظروفا أفضل فيَرى هو في ذلك ظلما له، وكأن الإله خَذَله بأن وضَعه أمام تحديات مَقيتة، وأخذ منه أشخاصه الذين يحب، الأم، الأب... فيَقف عاجزا وحيدا فاقدا لفرصة مشاركة هذه الأوقات العصيبة معهم، فتَتَولّد لديه مشاعر النقمة والانتفاض مُعتبرا أنه تُرك وحيدا، ولا وجود لإله يُنقذه فلو كان كذلك لبَرهن على وجوده وساعده، لو كان موجودا لأثبت ذلك عن طريق أب داعم مثلا أو عائلة متماسكة أو محيط دافئ، لو كان الإله موجودا لَكان هو سعيدا، لمَ لا يكون؟

نحن نعي جيدا أن مسألة الإلحاد، مسألة الحديث فيها والتطرق لها مُستهجن، لا ندري هل خوفا أو كُرها لما يمكن أن تطرَحه من إشكاليات فكرية وعقدية مُهمة، وبِغض النظر عن الموقف من الإلحاد -والذي لا يعنينا في الحقيقة لأننا كحاملين لِهِبة عظيمة كالعقل نحن معنيين بالتفكير في كل شيء وطرح الأسئلة والبحث عن الإجابات- يبقى الموضوع شائكا كان للباحثين فيه باعٌ ففككوا البُنى النفسية والاجتماعية للملحد ورصدوا آليات تفكيره وبحثوا في ما توقف هو عن البحث فيه.. الإيمان.
وعلى شساعة الطرح وعمقه، سمحنا لأنفسنا بأن نُدلي ببعض دَلْوِنا فيه، بحياد تام ودون مُحاكمة بل وبقبول تام لكل مُختلف.. كتبنا لنفكر ونقدّم الفرصة للآخر للتفكير.. لعلّ الفكرة تلِد أفكارا وعلّنا نفهم ما يدور من حولنا.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "سيْكولوجية الإلحاد: بِمَنْ أؤمِن؟" شاركنا بها في التعليقات

الفساد: آفة كل العصور
"مكافحة الفساد"، "ملاحقة الفاسدين" وغيرها من الشعارات التي يتغنّى بها الجميع في حملاتهم الانتخابيّة وبرام ...

عرض المزيد ...

المرأة و الفساد الأخلاقي , الرابط العجيب
قبل أن تتهجّم عليّ بسبب عنوان المقال، أرجوك حاول أن تسمع رأيي للأخير وحاول أن تفهم معنى هذه السطور وتذ ...

عرض المزيد ...