ريح النصر من يوم الفرقان...

تاريخ السبت 13 مارس 2021
ريح النصر من يوم الفرقان...

في مثل هذا اليوم، 13 مارس 624 ميلادي الموافق للسابع عشر من شهر رمضان الكريم في السنة الثانية للهجرة، سطر المسلمون أحرف الحق الأولى في وجه الباطل بالخط العريض، في مثل هذا اليوم، وقعت غزوة بدر الكبرى التي خاضها المسلمون بقيادة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وشارك فيها صحابته الأفاضل رضوان الله عليهم جميعا، معركة انتصر فيها المسلمون على جحافل الكفر وعُتُوّ الباطل وانتقلوا فيها من الهوان إلى القوة.

وقد سُميت باسم "غزوة بدر" نسبةً إلى منطقة "بدر" التي وقعت فيها المعركة، وبدر هي عبارة عن بئر تقع بين مكة والمدينة المنورة، كما أُطلق على الغزوة أيضا تسمية "بدر القتال، ويوم الفرقان"

سنسافر-عزيزي القارئ- إلى مطرح يعبق برائحة الحبيب المصطفى صلوات الله ونوره عليه، وسننزل إلى أرض المعركة مع الصحابة الكرام وننظر في الخطط العسكرية لننعم معهم بإحساس النصر، فشدّ معنا الرحال إلى بدر.

اشتد بطش قريش ما إن جهر الرسول صلى الله بالإسلام ودعاهم إلى ترك عبادة الأصنام لكنهم تمسّكوا بما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم من عادات فتركوا الحقّ ورفعوا راية الباطل، فكانت قريش تعامل المسلمين بقسوة ووحشية حتى أوحي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم بالهجرة فأمر المسلمين بالهجرة من مكّة إلى يثرب التي أصبح اسمها المدينة المنوّرة بعد دخول رسولنا الكريم إليها.

بموجب أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم هاجر المسلمون دون أخذ أموالهم وثرواتهم لأن قريش قد اضطرتهم لذلك حيث خيّرتهم بين الهجرة وأموالهم فاختاروا مرافقة الرسول إلى المدينة استجابة لأوامره.

تعرّض المسلمون لمعاناة الفقر والخصاصة في حين كان أهل قريش في رغد بعد أن استولوا ظلما وبهتانا على ثروات المسلمين، وكانوا قد جهّزوا قافلة في اتجاه الشام من أجل التجارة. علم الرسول بذلك وخرج صحبة المسلمين لاعتراضها لكنها كانت قد فاتتهم بأيام فرجعوا الى المدينة وقرّروا انتظار عودة القافلة من الشام.

لما اقترب موعد رجوع العير، بعث الرسول صلى الله عليه وسلّم سرية استطلاع لتحديد مكانها وجمع المعلومات عنها، ولما عاد المرسال بالخبر اليقين خرج الرسول وأصحابه لاعتراض القافلة واحتوائها وقد كان عددهم ثلاثمئة ونيف، فلم يكن معهم إلاّ فَرَسان، فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرا.

وقد كوّنت هذه العير قافلةً تجاريةً كبيرةً قادمةً من الشام تحمل أموالاً عظيمةً لقريش، وكان يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها حوالي أربعين رجلاً. لما علم أبا سفيان بقرب المسلمين من قافلته بعث ضمضم بن عمرو الغفاري لاستنفار قريش فقرّروا الخروج بجيشهم لمحاربة المسلمين.

في هذا الوقت كان أبو سفيان قد تمكّن من تحويل وجهة القافلة لناحية ساحل البحر الأحمر، ولما أصبحت القافلة في مأمن بعث أبو سفيان رسولا يبلّغ قريش أنّ عيرهم وأموالهم قد نجت إلاّ أنّ أبا جهل أبى العودة الى مكّة، ولم يعد هدف قريش نجاة القافلة، وإنما إعلام العرب بقوّة قريش وهيبتها وتأديب المسلمين، والمحافظة على أمان طرق التجارة.

كان المسلمون قد وصلوا إلى بدر قبل المشركين، ونزل الرسول والمسلمين بداية بعيدا عن بئر قريش لكن الحبُاَبُ بن المنذر رضي الله عنه أشار على النبيّ صلى الله عليه وسلّم أن يجعل ماء بدر خلفه حيث سأل الرسول: "يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أَنزلكهُ الله ليس لنا أن نتقدّمه ولا نتأخّر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال له رسول الله: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فردّ قائلا: "يا رسول الله، فإنّ هذا ليس بمنزل، فانهض يا رسول الله بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون". فأخذ الرسول برأيه و أمر بردم الآبار الموجودة من ناحية جيش قريش.

أودع الرسول القيادة العامّة إلى مصعب بن عمير العبدري القرشي الذي بدوره قسّم جيشه إلى قسمين، كتيبة المهاجرين وكان علمها عند علي بن أبي طالب وكتيبة الأنصار وكان علمها بيد سعد بن معاذ وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وظلّت القيادة العامّة في يده هو.

وفي صبيحة يوم المعركة جعل صلى الله عليه وسلم جيشه في صفوف للقتال، وبقي في قبة يدير المعركة بمشورة سعد بن معاذ، وجعل صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء، حتى سقط رداؤه، فأنزل الله عز وجل: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الانفال:9]. فخرج الرسول يبشر المسلمين أنّ مدد الرحمان قد وصل وأنّ الملائكة تحارب معهم ونزل بدوره يقاتل معهم ممّا حفّز جيش المسلمين ورفع همتهم وشجعهم على القتال.

اندلعت الملحمة بتقدّم عتبة بن ربيعة، وتبعه ابنه الوليد، وأخوه شيبة طالبين مبارزة بني عمومتهم، فأمر صلى الله عليه وسلّم علي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب، وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، فقتل المسلمون ثلاثتهم لكن أصيب عبيدة الذي استشهد فيما بعد، فتأثرت قريش بنتيجة المبارزة، وبدأت الهجوم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر أصحابه برمي المشركين بالنبل إذا اقتربوا من المسلمين ودنوا.

في وسط المعركة تمكّن غلامين من الأنصار وهما معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمر بن الجموح من تجاوز صفوف الجيشين ويصلا الى أبا جهل فطعناه وأردياه أرضا وطفقا إلى الرسول يبشّرانه بما صنعا فأرسل أبو مسعود ليتأكد فأجهز عليه بالضربة الأخيرة.

بموجب موت عمرو بن هشام الذي أطلق عليه الرسول اسم أبا جهل نتيجة عدائه الشديد للإسلام ظهر اضطراب في صفوف جيش قريش وبدأت أعداد كبيرة منهم في الانسحاب فانتهت المعركة بمقتل سبعين رجلًا من المشركين وعددًا من زعماء قريش، منهم: أبو جهل، وأسر سبعين رجلًا، و فرّ بقية المشركين، لا يلوون على شيء، مخلفين غنائم كثيرة في أرض المعركة، في حين استشهد أربعة عشر رجلا من المسلمين.

كانت قوّات المسلمين في غزوة بدر لا تمثّل القدرة العسكرية القصوى للدولة الإسلامية، ذلك أنهم خرجوا مسرعين كي لا تفوتهم القافلة التي كان هدفهم اعتراضها ولم يكونوا على علم بمواجهة قوّات قريش. فكانت هذه الأخيرة تمثل ثلاثة أضعاف عدد المسلمين إلاّ أنّ الله سبحانه وتعالى أمدّ المسلمين بجيش خفّي من الملائكة فكان نتاج غزوة بدر عظيما بالرغم من صغرها.

حيث تكبدت قريش بعدها خسائر معنويّة وعسكريّة بموت قادة الكفر وخسائر ماديّة فقد فرّوا وخلفّوا العير، على غرار ذلك كسب المسلمون مهارات عسكريَّةً، وأساليبَ جديدةً في الحرب، وشهرةً واسعةً داخل الجزيرة العربيَّة، وخارجها. فأصبحت شوكة المسلمين قوية، وأصبح لهم هبة بين قبائل الجزيرة العربية كلّها، وتعزَّزت مكانة الرَّسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وارتفع نجم الإسلام عاليا.

كانت معركة فاصلة في تاريخ الإسلام سمّاها الله عز جلاله بيوم الفرقان، قال تعالى: "وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [الانفال: 41]، فأعلى بها سبحانه وتعالى راية الحق ونصر بها نبيه وحزبه.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "ريح النصر من يوم الفرقان..." شاركنا بها في التعليقات

كوفيد 19 وباء القرن
كائن لا يُرى بالعين المُجردة, قَلب العالَم رأسا على عقب. كل البشر سواسية أمامه لا فرق بينهم يُصيبهم م ...

عرض المزيد ...

الهجمات الإلكترونيّة : خطر من المستقبل
منذ أيام قليلة استطاع أحد الهاكر الولوج الى ملفّ الشفرة المصدرية على منصّة GIT و عدّل في بعض الملفات ...

عرض المزيد ...