مقالات القرّاء

"اللغة" بين شبح الموت وإرادة الحياة

أراء الأربعاء 17 مارس 2021
"اللغة" بين شبح الموت وإرادة الحياة

دائما ما تتعرّض الأمم في تاريخها الواسع لجملة من التحدّيات، وكل تحدٍّ من تلك التحديات يختلف عادة عن سابقيه في الكم والخطورة والنوع، نذكر منها مثلا التعرض إلى خطر مادي استئصالي وهو أن يأتي عدوّ خارجي يريد استئصال مجموعة بشرية أو عرق بالكلية ويكون ذلك عموما بتدخل عسكري كغزو المغول لجزء كبير من القارة الآسيوية أو غزو الأوروبيين لما يسمى الآن بالولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أيضا نوع آخر أكثر خطورة لكن وتصعب ملاحظته وهو التعرض إلى استئصال عقدي ثقافي وهو ما مرّت به كل الأمم تقريبا عدى المذهب الكاثوليكي في الأندلس، ويكون هذا الغزو بأن تُدفع أمة ما إلى تغيير لسانها أو لغتها أو ثقافتها لصالح لغة أو ثقافة أو لسان المستعمر.

إذا بحثنا في المصطلحات المعاصرة غالبا ما يستوقفنا تعريف الدولة القومية الحديثة والتي يعرفها البعض على أنها إقليم جغرافي مُحدّد يسكنه شعب يمتلك لغة مشتركة وتاريخ مشترك وسيادة، كما هناك من اللغويين من يعرف الدولة على أنها كل لغة قومية في حماية قوة مسلحة، وللتبسيط يمكن أن نضرب مثلا باليابان أو فنلندا، وفي هذا التعريف يصبح خطر الاستئصال العقدي الثقافي جليا، ويمكن أن نرى أثر الاستعمار الفرنسي على شمال إفريقيا وتونس خصوصا وباستطاعتنا دراسة أبعاد وخصوصيات هذه التجربة، ثم إنّ التصوّر والتمثل الذي يمكن استخراجه من الواقع الحالي هو أنه رغم تحرّر الشعوب العربية من قوى الاحتلال في القرن العشرين إلا أننا في القرن الواحد والعشرين مازلنا نرى أثر تلك الفترة السوداء واضحا، وهو ما يعنى أن معظم القوى الاستعمارية مهّدت الطريق لاستمرار وجودها ولو بطريقة غير مباشرة وقامت بإعداد كل الظروف ليقوم أهل الديار بالتخلي عن لغتهم وثقافتهم عن طواعية. ولك عزيزي القارئ أن تطرح تساؤلا بسيطا، وهو لماذا يرى المواطن العربي في إضافة مفردات من لغة المستعمر للسانه اليومي فخرا ورقيا وعلوا؟ ولماذا يختار علية القوم النطق بلغة المستعمر للتعبير عن علوّهم الثقافي والطبقي.

في العالم الآن ما بين الستة والسبعة آلاف لغة دون احتساب اللهجات، منها لغات مُهدّدة بالانقراض ومنها لغات تزدهر بمرور الوقت، وموت اللغة يكون بصورتين، الأولى أن ينقرض كل من يتكلم بها، وهذا بالضرورة لا يكون أمرًا فجائيّا، فمثلا هناك لغات تنقرض لعدم تقديمها أي زاد معرفي جديد فيقلّ المتحدّثون بها بشكل تدريجيّ وينفر الناس من تعلّمها إلى أن يفنى كلّ من يمارسها كلسان أصليّ، وكمثال على هذه اللغات يمكن أن نذكر لغة "البو" أو "الكاري"، فالبو مثلا لغة انقرضت سنة 2010، حيث لم يبق من متستعمليها إلا زوجين، توفي الرجل ثم بقيت المرأة في حالة عزلة ووحدة الى أن لحقت بزوجها، وعندما قام علماء اللغة بتحليل تسجيلاتها الصوتية استنتجوا أنها كانت تحسّ أنها خرساء رغم أنّها ناطقة.
أمّا الصورة الثانية لموت اللغات فيكون بتوقّف الناس عن استعمالها بشكل يومي، كما حدث مع اللاتينية، حيث توقف الناس عن الكتابة بها وتوجّهوا إلى لهجاتهم، ثم تجرّؤوا على كتابة العلوم والأناجيل بتلك اللهجات، ويمكن لك عزيزي القارئ أن تطرح هنا تساؤلا يستحق الإجابة: هل بموت اللغة يختفي من يستطيع فهمها ونطقها؟ والإجابة حتما هي لا، ويمكن لك التثبت من ذلك بطرح سؤال آخر وهو هل هناك الآن من يستطيع نطق اللاتينية وفهمها؟ ولك أن تجد الإجابة حتى بين رفاقك.

حسنا، لنتساءل الآن، لصالح من تموت اللغات؟ الأكيد أنّها تترك مكانها لصالح لغات أخرى طبعا، فالبشر ميّالون للأقوى. لذلك يمكنك أن تجد ست لغات تعترف بها الأمم المتحدة في سياستها التواصلية وهي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، الاسبانية، الروسية، والصينية. ويضاف اليها في الشؤون غير الرسمية أربع لغات استعمارية أخرى وهنّ : الألمانية، البرتغالية، اليابانية، والإيطالية، ذلك لأنها كما ذكرنا لغات استعمارية قديمة لازالت تحتل مكانا هامّا.
ونختم مقالنا بتساؤل: هل عندما تموت لغة، يمكن إعادتها للحياة؟ نعم، يمكن ذلك وخذ مثالا اللغة العبرية التي ماتت ولم تعد لغة استعمال يومي لمدة ألفي سنة، ثم قام اليهود بإعادتها كلغة رسمية للكيان الصهيوني الغاصب.
لماذا؟ لماذا لم يختاروا الإنجليزية أو الفرنسية أو اللاتينية؟ لماذا كل هذا الجهد في صياغة اصطلاحات عصرية للغة منقرضة؟ لماذا هذا الاستثمار؟ سنحاول الإجابة عن هذه التساؤلات في المقال القادم... تابعونا.

شارك المقال

ماذا تعرف عن ""اللغة" بين شبح الموت وإرادة الحياة" شاركنا بها في التعليقات

الرابطة القلمية : المدرسة الأدبيّة الحديثة
مدرسة أدبية تميزت بطابعها الخاص. جمعت شمْل شعراء وأدباء عَرَب على أرض المهجر, تحديدا في أمريكا بعد أن ...

عرض المزيد ...

"اللغة" بين شبح الموت وإرادة الحياة
دائما ما تتعرّض الأمم في تاريخها الواسع لجملة من التحدّيات، وكل تحدٍّ من تلك التحديات يختلف عادة عن سابقيه في ...

عرض المزيد ...