الرّحْلَةُ: رِحْلَةُ الْفِكْرِ وَالْجَسدِ ..

أراء الجمعة 19 مارس 2021
الرّحْلَةُ: رِحْلَةُ الْفِكْرِ وَالْجَسدِ ..

رحلةٌ.. ذاتٌ راحلةٌ عبر الزمان والمكان، عابرةٌ للقارات والأفكار..
رحلةٌ.. سفرٌ إلى الآخر، مكانًا، روحًا وفكرًا.
رحلةٌ.. هروبٌ من المكان وإلى المكان، أو ربما لجوءٌ واحتضانٌ.

كانت الرحلة ومنذ التجمع البشري الأول -زمنُ خلْقِ التجمعات وتكوين القبائل والعشائِر، زمن بناء الفِرقِ والجماعات وتأسيس المدن والدول وإرساء الآداب والعلوم ورسْم الفنون ورصْد المِلل والنِّحل وكشْف أسرار الفلك- مطِيّة الإنسان لاقتفاء أثر بحْثا عن إجابات.

والرحلة مِن رَحل، فعلٌ ثلاثٌي مجردٌ نجده في ثنايا الجزء الحادي عشر من لسان العرب وفيه: "رَحَل الرَحْل، إذا سار، وأرْحَلته أنا، ورَحْل رَحول وقوْم رُحّل أي يرتحِلون كثيرا، ورجُل رَحّال أي عالِم بذلك مُجيد له، وإبل مُرَحلة عليها رحَالها وهي أيضا التي وُضعت عنها رحَالها، والرَّحولُ والرّحولة من الإبل: التي تصلح أن ترحَل."
الحياة رحلة، تطوف بها عوالم كثيرة، منها ما يكسرنا ومنها ما يبنينا، لذلك اتخذ الإنسان من الرحلة جسرا يعبره نحو كل مُبهم.

أليْست أعظم الرحلات في التاريخ العالمي والإسلامي بالخصوص رحلة؟ فهجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة رحْلة عقدية حضارية تاريخية بامتياز تنْحتها الأنثروبولوجيا والاجتماع، وتتوالى الرحلات من بعد ذلك رحلات العلْم والفقْه والخطابة والفلسفة والفلك وغيرها كثير.
ها هو الشهير "ابن بطوطة"، يخرج من "طنجة" يطوف بلاد المغرب ومصر والحبشة والشام والحجاز وتهامة ونجد والعراق وبلاد فارس وتتوالى الأمصار.. ينْهل من بحر التاريخ والجغرافيا والأدب والفقه والقضاء..

وها هو "ابن خلدون" يعْبر الدروب من المغرب إلى المشرق يرى بعين بصره وبصيرته طباع البشر ونحلهم ليخطّ سطور كتبه عن العمران البشري.
وها هو "ماجلان" يعبر المحيط الهادي في رحلة كانت الأولى حول الكرة الأرضية.

وها هو "الإمام سحنون" يُوَلِّي وجهه شطْر مصر والشام والحجاز ليعود بعد ذلك فينشر أُسس أحد المذاهب الأربعة، المذهب المالكي.
ولا يكتفي التاريخ من إخبارنا عن رحلات البشر العالقة في جسد الحضارة بكَوْنيّتها لتثبت في كل مرة أن الرحلة كانت البساط السحري الذي نَقل لا الأجساد فقط بل العقول، وأن الرحالة كانوا علاء الدين.

" عندما أُقتل في يوم من الأيام، سيعثر القاتل في جيبي على تذاكر السفر، واحدة إلى السلام، واحدة إلى الحقول والمطر واحدة إلى ضمائر البشر.. أرجوك أن لا تهمِل التذاكر يا قاتلي العزيز، أرجوك أن تسافر" هكذا حكى لنا الشاعر "سميح القاسم" حكاية رحلته. أما الصينيين فقد اعتبروه نافذة للرؤية، لِمزيد من الرؤية: "لا تستمع إلى ما يقولونه، بل اذهب لترى".

إنّ الرحلة ارتحالٌ، تغيير للمكان والزمان ولعلّه تغيير للقناعات والأفكار أو تهذيب لها، وللرحلة قيمةٌ ثابتة نعثر لها على إثباتات أهميتها وجدارتها في كل الحقول المعرفية تقريبا. فلا الدين أهمَلها ولا علوم النفس والاجتماع ولا الفلسفة ولا الشِعر ولا النثر أيّا كانت اللغة الناطقة بها، فمحمد النبي حين احتاج إلى تأسيس ونشر رسالته ارتحل، و"كولومب" حين احتاج إلى اكتشاف عالم جديد، ارتحل أيضا.. وتتعدد الأمثلة.

ومن هنا يظهر كذلك أدب الرحلة، وهو تصوير لما رآه الكاتب في رحلته وما جرى من أحداث ووقائع وما صادفه من أمور. وقد عُدَّتْ كتب الرحلة من أهم المصادر الجغرافية والتاريخية لأن الكاتب يستقي الأخبار مما رأى وسمع وجرَّب.
فالرحلة كانت دوما الوسيلة والغاية في آن، وسيلة المرء للمعرفة وغايته لأن بها تكتمل المعرفة.

اليوم، لم تعد الرحلة إِبِلا وناقة وبعض مَتاع، وسَبيل مديد أو صحراء شاسعة ورغبة جامحة في الوصول رغم التعب، اليوم بعد أن تأسست الدول وقُسمت الأراضي ورُسمت الحُدود وأُنشِئت المؤسسات والمطارات واختُرعت الطائرات، هل حافظت الرحلة على مغزاها الأول بعد هذا التطور؟

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الرّحْلَةُ: رِحْلَةُ الْفِكْرِ وَالْجَسدِ .." شاركنا بها في التعليقات

جدل متجدّد حول دخول الشهر المعظّم.
من "محاق" إلى "هلال متزايد" فــ "تربيع أوّل" ثم "أحدب متزايد" فــ "بدر" ثم "أحدب متناقص" إلى "تربيع ثانٍ ...

عرض المزيد ...

المراة عنوان كل جميل
إلى نساء العالم أوجه رسالتي، أنتنّ القوة بجاهكنّ المتّصف بالكيد العظيم وأنتنّ العقل بعقولكنّ المتّهمة با ...

عرض المزيد ...