من أجل عيون تونس الخضراء

تاريخ السبت 20 مارس 2021
من أجل عيون تونس الخضراء

نظام الانتداب، نظام الوصاية أو فرض الحماية... كلها مصطلحات منمقة التعاريف والمفاهيم لكن مهما زينت وبهرجت هذه المصطلحات لا يغير شيئا من حقيقة كونها تصب في مصب واحد وهو "الاحتلال" لكن بدرجات أقل خطورة أو بصور جديدة لهذا الأخير.

تأتي هذه العبارات كجلباب من الوقار يرتديه الاحتلال للتخفيف من وطأته على مسامع الدول المستضعفة. وإن كانت أنظمة الانتداب والحماية وغيرها بعيدة بعض الشيء عن مصطلح الاحتلال إلا أنها بطريقة ما أو بأخرى تحد من حريات الشعوب وتنتزع سيادة الدول بصفة جزئية ونسب متفاوتة حسب النظام المفروض. فأي من هذه الأنظمة فُرض على الدولة التونسية؟

منذ مطلع القرن الثامن عشر واجهت أوروبا أزمة شاملة في عديد المجالات؛ أزمة على الصعيد الاقتصادي نتيجة التحاق كل من إيطاليا وألمانيا بصف الدول المصنعة ما انجر عنه تشبع السوق. مالياً حيث تراجعت فرص الاستثمار والإقراض البنكي. ديمغرافياً بسبب الارتفاع السريع في عدد السكان الذي شهدته أوروبا في الفترة ما بين سنتي 1870 و 1900. وأخيراً وليس أخراً أزمة نفسية خصوصا بفرنسا.

... أسباب عديدة ومشاكل جمة جعلت من التفكير في التوسع خارج أوروبا هو الحل الأجدر في فك الأزمة الاوروبية، توسعا على حساب القارة الافريقية وأجزاء من القارة الأسيوية. ليكون احتلال الجزائر أول خطوة تخطوها فرنسا في هذا المسار، وتضع هدف الدخول إلى شقيقتها الصغرى -الدولة التونسية- نصب عينيها كخطوة ثانية. فكيف كان الدخول إلى حمى الدولة التونسية؟

منذ منتصف خمسينات القرن التاسع عشر والديون التونسية لصالح اوروبا في ارتفاع وعجز ميزانية الدولة التونسية في ازدياد، مما أجبر الدولة على الاقتراض من الدول والبنوك الخارجية بفوائض مرتفعة ومع عجزها على تسديد الديون تفاقم الوضع وأصبحت الدولة التونسية مطمعا للكثير من الدول. تاججت الأزمة المالية التي شهدتها الدولة التونسية مع إزياد واردات الدولة وتراجع صادراتها.

بمحض اشتداد الأزمة وعجز الدولة التونسية على تسديد ديونها ازدادت ضغوطات الدول المقرضة المتمثلة في إيطاليا، انجلترا وفرنسا. ما أدى إلى تكوين الكومسيون في 5 جويلية 1865 وهو عبارة عن لجنة مالية دولية من أجل التحكم في الخزينة التونسية وتوزيع مواردها على الدائنين. لكن هذه الفكرة لم تثبت نجاعتها حيث أن مطامع الدول الدائنة كانت كبيرة فتنوعت طرق حسن استغلال الأوضاع لصالح هذه الدول المتنافسة من اجل السيطرة على تونس.

كنا قد ذكرنا أعلاه أن أوروبا كانت قد انتهجت نظام توسعيا، كتطبيق لهذا النظام فكرت فرنسا في الاستثمار في الدولة التونسية واستباق نظيرتيها ايطاليا وانجلترا في الولوج إلى الدولة التونسية.

تزامنت هذه الأوضاع مع تردي الأوضاع المعيشية وظهور الفوضى في صفوف الشعب التونسي مما سهل الأمر على فرنسا في اقتحام الدولة التونسية مستغلة في تحقيق ذلك المناوشات التي حدثت على حدود الجزائر لتتدخل عسكريا بحجة حماية الحدود الجزائرية. لتنتهي حجة فك النزاع بمحاصرة قصر الباي محمد الصادق وفرض الحماية على تونس بمقتضى معاهدة باردو الموقعة في 12 ماي1881، والتي جردت الدولة التونسية من سيادتها الخارجية وفرضت تولي فرنسا للشؤون المالية وضمنت من خلالها تواجد الجيش الفرنسي على الأراضي التونسية، وتتالت بعدها المعاهدات.

يعد المُستَعمِر الفرنسي الأشرس في تاريخ الدول الكولنيالية، رغم قوته مقارنة بالمُستَعمَر التونسي إلا أن هذا الأخير لم يرضخ لتقدم المستعمر في الأراضي التونسية وقاومه بشراسة. لكن هذا لم يثني فرنسا عن مواصلة السير في خطتها حيث غمقت فرنسا بنود معاهداتها رويدا رويدا، وركزت جيوشها في مناطق مختلفة في البلاد التونسية مما خول لها احكام قبضتها والسيطرة تدريجيا على زمام الأمور في تونس.

إلا أن هذا الأمر لم يكن سهل المنال بالمرة ففي المقابل ظهرت حركة النضال في صفوف الشعب التونسي منذ البداية حيث وقف صامدا من أجل الحد من تقدم فرنسا. فبمحض تقدم القوات البحرية الفرنسية إلى مدينة صفاقس حتى واجهت فرنسا مقاومة عتية من قبل المتساكنين مما اخرها في السيطرة عليها لكن مع تباين العتاد العسكري تمكنت فرنسا من التقدم نحو قابس التي واجهتها هي الاخرى بشراسة.

نظرا للتفاوت الكبير في القوى والوسائل والتقنيات المعتمدة تمكنت فرنسا من السيطرة على تونس واعتبارها محمية فرنسية لكن هذا لم يوهن من عزم المناضلين ولم يضعف اصرارهم على اخراج المستعمر من حمى الدولة التونسية.

فتعددت الحركات النضالية وسن الشعب التونسي حكم جديدا على مصطلح "الفلاقة" فوضعوا له تعريفا جديدا وانتقلوا به من رمز للدناءة وقطاع الطرق الى مصطلح سام يرمز للشهامة والبطولة. كيف لا وأصحاب هذا اللقب يقفون في وجه المستعمر ببسالة وصمود.

لم يكتف أبناء تونس الاحرار بذلك فقط بل عمدوا تباعا الى أساليب أخرى في المقاومة فتنوعت بين تلك التي تقوم على الحوار وطرق أخرى مسلحة، بين الولوج الى الجبال والخروج في مظاهرات وتكوين الأحزاب النضالية، حركة بين قوة الساعد ونور الفكر، كان سجل هذه النضالات حافلا ما بين انتصارات وتحقيق مطالب وخسائر من شهداء وجرحى ورفض لمطالب اخرى، سجل مختوم بالعرق والدم من اجل نيل المنى واسترجاع سيادة الخضراء.

فتكاتفت المجهودات وتعددت الحركات النضالية بحيث لن نتمكن من حصر أسماء المناضلين واحصاء مجهوداتهم، لا تهم الأسماء بقدر سمو الهدف، على اختلاف الطرق والأفكار والفئات العمرية بين بندقية وقلم اجتمع نصب اعين هؤلاء هدف واحد وهو الاستقلال.

تواصلت المجهودات بين المسلحة والسلمية لتتوفر الظروف المساعدة على الاستقلال أخيرا نذكر من بينها المقاومة المسلحة التي شهدت اوجها بين سنتي 1952 و1945، الظرفية العالمية التي دعمت مبدا تقرير الشعوب لمصيرها بنفسها والذي كان من أبرز مطالب الحزب الحر الدستوري الجديد...
بعد سقوط حكومة منداس فرانس، رئيس الحكومة الفرنسية، واصل الزعيم الحبيب بورقيبة المفاوضات التي اسفرت وأخيرا عن بروتوكول الاستقلال في 20 ماس 1956.

في مثل هذا اليوم استردت الدولة التونسية سيادتها التامة وتنفست ريح الحرية وجرت في عروقها دماء الفرح والنصر فأصبح هذا اليوم عيدا يحتفل به في كل السنة فيعلو العلم ويرتفع صوت النشيد الوطني في كافة تراب الجمهورية.

"حُمَاةَ الْحِمَى يَا حُمَاةَ الْحِمَى *** *** هَلُمُّوا هَلُمُّوا لِمَجْدِ الزَّمَنْ
لَقَدْ صَرَخَتْ فِي عُرُوقِنَا الدِّمَا *** *** نمُوتُ نَمُوتُ وَيَحْيَا الْوَطَنْ
بِلَادِي احْكُمِي وَامْلِكِي وَاسْعَدِي *** *** فَلَا عَاشَ مَنْ لَمْ يَعِشْ سَيِّدًا
بِحَرِّ دَمِي وَبِمَا فِي يَدِي *** *** أَنَا لِبِلَادِي وَحِزْبِي فِدَا
لَكِ الْمَجْدُ يَا تُونِسْ فَاسْتَمْجِدِي *** *** بِعِزَّةِ شَعْبِكِ طُولَ الْمَدَى
وَنَحْنُ أُسُودُ الْوَغَى فَاشْهَدِي *** *** وُثُوبَ أُسُودِكِ يَوْمَ الصِّدَامْ
لِتَدْوِ السَّمَاوَات بِرَعْدِهَا *** *** لِتَرْمِ الصَّوَاعِقُ نِيرَانَهَا
إِلَى عِزِّ تُونِسْ إِلَى مَجْدِهَا *** *** رِجَالُ الْبِلَادِ وَشُبَّانُهَا
فَلَا عَاشَ فِي تُونِسْ مَنْ خَانَهَا *** *** وَلَا عَاشَ مَنْ لَيْسَ مِنْ جُنْدِهَا
نَمُوتُ وَنَحْيَا عَلَى عَهْدِهَا *** *** حَيَاةَ الْكِرَامِ وَمَوْتَ الْعِظَامْ "

قصيد كل ما استمع اليه المواطن التونسي او قرأ ابياته احس بدمائه تشحن شجاعة وفخرا بانتمائه للدولة التونسية. عاشت تونس حرة مستقلة ابية ذات سيادة لا تنكسر. وكل عام و الدولة التونسية تزداد عظمة وشموخ باشبالها الاحرار ، كل عام وعلم البلاد التونسية يرفرف عاليا في سماء لا يكدر صفوها سوء.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "من أجل عيون تونس الخضراء" شاركنا بها في التعليقات

أهرمات السودان : النوبة المنسيّة
هل كنت تعلم أنّ السودان تملك أهرامات اكثر من اي مكان اخر في العالم و أنّ مصر ليست البلد الوحيد الذي

عرض المزيد ...

كريستوفر كولومبس حقيقة الإكتشافات المزعومة
تتناقل الأمم الكثير من الاقاويل والاحاديث عن أبطالها ، و عن شخصيتها التاريخيّة ...

عرض المزيد ...