عبد الوهاب المسيري: رجل المهمات الصعبة

شخصيات الأحد 28 مارس 2021
عبد الوهاب المسيري: رجل المهمات الصعبة

"الإنسان يواجه العالم من خلال إنسانيته لا من خلال مادِّيّتِه، وأنه كَفرد ليس هو البداية والنهاية، وإنما هو امتداد للماضي في الحاضر ومن ثم المستقبل". هكذا تحدث "المَسيري" عن الإنسان بين ثنايا كتابه "رحلتي الفكرية في البذور والجذور والثمر".
عبد الوهاب المسيري مفكر وكاتب وعالم اجتماع ومناضل مصري، وُلد في 8 أكتوبر 1938 في دَمَنهُور وهي مدينة صغيرة في دِلتا مصر تقع قرب الإسكندرية، كان سَليل عائلة بورجوازية، سماها "المسيري" بورجوازية ريفية بمعنى أنها كانت بورجوازية في داخلِها وموارِدِها لكنها كانت تعيش في الريف، فلم تتأثر بعناصر التغريب التي كانت تَضرب بأطنَابها في البورجوازية الحَضَريّة لذلك ظلّت محتفظة بالقِيَم المصرية والعربيّة والإسلاميّة ولم تَهتم بالجاه والأبّهة.

كان "المسيري" رغم عُلُو نَسَبه وفَرادة نشأته مُلتحما بالشارع، عارفا بقيَمه ومُستشعرا مشاغلَه ومطالبه، فكان جزءً منه وحاضرا فيه، مليئا بقيَم النضال ومُفعما بالمواقف السياسية في وقت مُبكر، سواء في علاقته بالسلطة آنَ ذاك أو موقفه من الاستعمار الإنجليزي وهو يُعلن ذلك في كتابه "رحلتي الفكرية" حيث يقول: "وقد اشتركت بحماسة بالغة في مظاهرات الطلبة ضد الملك فاروق في أوائل الخمسينيات... وحينما بدأت مقاطعة البضائع الإنجليزية سارعت إلى المشاركة فيها."
سنة 1949 تحصّل كاتِبنا على جائزة الثقافة وهي جائزة كانت في نسختها الأخيرة إذ أُلغيت بعد ذلك وكان المسيري آخر من تحصل عليها، وسنة 1955 التحق بكُلية الآداب، جامعة الإسكندرية تخصص اللغة الإنجليزية، وبعد تخرجه عُيّن مُعيدا فيها، وسافر المسيري إلى الولايات المتحدة سنة 1963 وهناك تحصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي المُقارن من جامعة كولومبيا، وعلى الدكتوراه من جامعة رتجرز (نيوجرسي) سنة 1969.

في العام نفسه، عاد عبد الوهاب المسيري إلى مصر للتدريس في قسم اللغة الإنجليزية في كلية البنات، جامعة "عين شمس"، وتتَالى المناصب والمهمات التي شَغَلها المسيري: فالرجل كان مستشارا لوزير الإرشاد سنة 1970، بعد سنة عُيّن خبيرا للشؤون الصهيونية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام.
1972 هو تاريخ صدور أولى مؤلفات المسيري: "نهاية التاريخ" وتتعدد منذ هذا التاريخ كتاباته، وبعد رحلة طويلة وثرية خاضها مفكرنا، رحلة فكرية ترجمتها مؤلفاته وأخرى مادية حقيقية جسدتها المناصب ومراكز التدريس العديدة التي شغلها حتى بلوغ العام 1990 والتي كانت فيها الكويت المحطة الأخيرة لقطار التدريس، حيث قرر المسيري العودة إلى مصر والاستقالة من الجامعة والتفرغ تماما لكتابة الموسوعة.
أي موسوعة؟

إنها الموسوعة الأشهر والأكبر في مجال الدراسات اليهودية في القرن العشرين، والأولى عربيا في هذا النمط للكتابة والتخصص، وهي "موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية" والتي كان يجب انتظار حلول العام 1999 لصدورها، وهي موسوعة تتكون من ثماني مجلدات، سنُورِدُها بالترتيب:
المجلد الأول: الإطار النظري
المجلد الثاني: الجماعات اليهودية إشكاليات
المجلد الثالث: الجماعات اليهودية التحديث والثقافة
المجلد الرابع: الجماعات اليهودية تواريخ
المجلد الخامس: اليهودية المفاهيم والفِرق
المجلد السادس: الصهيونية
المجلد السابع: إسرائيل المستوطن الصهيوني
المجلد الثامن: ملاحق وفهارس

إنّ مسيرة هذا الرجل الفكرية والعلمية لَمَدعاة للتأمل ولَحَريَة بالاكتشاف، كتاباته كانت تتسم ببساطة الطرح حتى أنك تشعر وكأنك تسمعه وهو يتكلم، وتكاد كلماته تتجسّد فتظن أن المسيري سيخرج حتما من إحدى طيَات الكتاب، كان خطابه طيَعا مرِنا سهلا واضحا رغم دسامته وثِقله المعنوي وأصالة فحواه، وكانت له رُؤى فكرية مهمة قُورنت حتى بكبار المفكرين الغربيين ككارل ماركس مثلا، إذ يرُد المسيري على مُسَلّمَة ماركس بأن "الدين أفيُون الشعوب" حيث اعتبر أن الله هو الركيزة الأساسية لكل شيء وبغياب الله يتحول العالم إلى كتلة صماء.

ويرى المسيري أن الدين مُكوّن من مكونات الشعوب لا مجال لإلغائه وأن الشعوب التي تخرج عن الدين -أيا كان دينها- تتحوّل إلى سلعة وهنا يضرب مفكرنا مثلا عن جماعة إسلامية تدخل المسجد يوم الجمعة، بلباس لائق، فَتُحَيِّ بعضها وتنتظم وتصطفُّ ويُفسح الواحد منهم المجال لغيره حتى يكونوا على خط متساو، وما أن تنتهي الصلاة حتى يتزاحموا على باب المسجد من منهم سيخرج الأول، وما إن يقابلوا بائع الغلال حتى يتسارعوا للشراء بشيء من الفوضى والهمجية، ومن هنا يخلُص المسيري إلى أن أهم ما يُميز حياة المجتمع البشري أنها خارج نطاق الأخلاق لكنه حين التزم بالدين -أيّ دين- تحسنت أخلاقه واحترم بشريّته.
فالدين يُهدّأ الإنسان ولو التزم به بشكل صحيح ولو فهمه فهما موضوعيا لا تشوبُه شائبة الغُلُوُ والغِلظة والنظرة الضيقة للأمور، بل حين يكون فهما أساسه قِيم الحرية والمسؤولية والاجتهاد، فسيكون زوْرق نجاته ومُعدِّل زِئْبقِيته المعهودة، بالتالي لا مشكلة في وجود وازع ديني لدى البشر.

ويمضي المسيري قُدُما في تحليلاته -التي لن تكفينا عدة صفحات لعرضها- فيرى أن الإنسان مجموعة من الأبعاد النفسية والاجتماعية والفكرية والإيمانية ... ولا مجال لإلغاء بُعد منها ولا لتغليب بُعد على آخر ولا لتوحيدها لتكون بُعدا واحدا وهذه إحدى المعجزات الإلهية الكثيرة: إخراج كائن بشري بهذه السمات والإحداثيات العظيمة، فلا يكون من حق أي منظومة فكرية أن تُلغيها، كما فعلت العَلمانية مثلا، التي اعتبرت أن الإنسان ذا بعد واحد هو البعد المادّي وهو ما يعني "سَلعَنة" الإنسان -حسب المسيري- واعتبار وجوده مقتصرا على امتلاك الممتلكات وكسب الأشياء، ولا مجال للعاطفة أو العائلة أو العلاقات البشرية في هذه المنظومة وإن وُجدت فبشكل جانبي.

إننا في الحقيقة نحتاج إلى كثير من الوَرَقَات لنَخُطّ رحلة "عبد الوهاب المسيري" رحلة الثقافة والفكر، نرصد نظرياته وأفكاره ورؤاه ونضالاته أيضا من خلال حركة "كفاية" المصرية، وتخصصه في الدراسات اليهودية وإضافة آليات جديدة للتفكير فيها ساعد الكثير على فهم مختلف القضايا في هذا المجال، رغم ما قُوبلت به في صفوف بعض النقاد من رفض وتشكيك بلغت حد اتهامه بمساندة اليهود، رغم أن المُتمَعن في كتاباته لا يُمكنه إلا أن يرى بعيْن فكره أن المسيري قدم لنا آليات علمية جديدة للفهم لا أكثر.
يغادرنا عبد الوهاب المسيري في 3 جويلية 2008 تاركا تاريخا فكريا وأدبيا مشرّفا وجوائز عديدة، ويُشَيِّعُ جنازته الآلاف من المصريين بمسجد رابعة العدوية ليُدفن في دمنهور مسقط رأسه.
غادرنا جسدا ولم يغادرنا روحا وفكرا وأدبا، فالفكرة خالدة لا تموت.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "عبد الوهاب المسيري: رجل المهمات الصعبة" شاركنا بها في التعليقات

ديهيا الفارسة الامازغية، بين الشعوذة والعظمة
بين جبال الأوراس تحديدا بمدينة ماسكولا، نشأت فتاة أمازيغية تُدعى "دهي" -المرأة الجميلة في القاموس اللغوي الأ ...

عرض المزيد ...

التاريخ: بين الحقيقة والزّيْف
"إنّ فنّ علم التأريخ فن عزيز المذهب,عديد الفوائد,شريف الأهداف. من خلاله يقع التعرف على أحوال الماضين من الأمم في ...

عرض المزيد ...