ماَزالَ بحثي عني فيَّ مُتواصل...

أراء الاثنين 29 مارس 2021
ماَزالَ بحثي عني فيَّ مُتواصل...

في عيد ميلادي سألني أحد اصدقائي المقربين مُمَازحاً: "ما الوضع لديك في الستة والعشرون؟" -يريد الاطمئنان فهو يصغرني سنا- فأجبته من باب النكتة: "إحساس جديد، تحس بأن حياتك تغيرت وبأنك أصبحت كبيرا فجأة"، لكن سرعان ما تداركت الأمر وأخبرته بأنني فقط أردت إضحاكه وواصلت قائلة: "الوضع كما هو يا صديقي، ماَزالَ بحثي عني فيَّ متواصل".

عن ماذا تبحث هذه الخرقاء؟ سؤال يتبادر إلى الأذهان بعد كلامي خصوصا في مناسبة كهذه عادة ما يكون فيها المرء مشحونا بالحماس والخطط الجديدة نحو التغيير وما إلى غير ذلك.
لكن عذرا، أنا فعلا لست ممن يتحمسون لأعياد الميلاد أو بداية السنة الجديدة (أتذكر جيدا أنني وصديقتي عدنا للعمل فور انتهاءنا من تناول طعام العشاء ليلة رأس السنة، أظن أننا لم نجد الوقت الكافي لنتمنى تلك الأشياء التي لن تتحقق يوما بمجرد تمنّيها في مثل هذه المناسبات)، ولا حتى بداية الشهر الجديد حتى أنني أحيانا أعمل في عطلة نهاية الأسبوع وأنام حتى منتصف النهار يوم الاثنين، أعلم أن الاثنين في نظر الجميع يأتي مُعلنا عن بداية جديدة ... ما به يوم الثلاثاء؟ ألا يمكن أن أبدأ فيه مخطّط العمل وأنهيه يوم الأحد بدلا عن السبت وأُمضي الاثنين اقرأ روايتي المفضلة ساخرة من المنبّه الذي يعتقد أنه سيغير حياتي إلى الأفضل بمجرد قدوم يوم جديد؟

بداية السنة الجديدة وحفلة عيد ميلادك وتلك الأماني التي ستنهال عليك، الأفكار الإيجابية التي تراودك في كل بداية لن تغير شيئا، التغيير هو تلك الشعلة النابعة من داخلك تلك الرغبة الملحّة بالشروع في القيام بالأشياء، شعور يخترق حدود الزمان ويتجاوز كينونة المكان، إذا تحركت فيك إرادة التغير لن تهتم في أي شهر من السنة نحن أو أي يوم من ايام الأسبوع، لن تهتمّ للساعة ولا حتى للمكان.
بيت القصيد، لا تنتظر الوقت المناسب، كل الأوقات مناسبة لتشرق من جديد، أشرق وكأن الكون كله لك، لا تؤجّل تنفيذ أفكارك وأعمالك فالحياة فرصةٌ عليك أن تحسن استغلالها بأفضل شكل ممكن.

أما عني فبحثي مازال متواصلا، أبحث عني، عن شغفي وهواياتي، طموحي، نقاط ضعفي ومصدر قوتي... أشياء يبحث عنها الجميع في مطارح مختلفة، لكني أؤمن أنّ البحث يجب أن ينبع من داخلنا، فليس من المنطقي أن أبحث عن شغفي فيما يقوم به الآخرون أو عن هدفي في الحياة فيما نجح فيه زميل دراسة بتعلة أننا أخذنا نفس التكوين. وقد يلتجأ البعض إلى أبعد من ذلك من حصص تنمية بشرية، كتب وفيديوهات تحفيزية وغيرها من السُّبل. لكن حسب رأيي كلّ واحد منا خلق لهدف معين لا يتشارك فيه مع غيره وكأنّ كلّ شخص خلق لإصلاح عطب في مكان ما في العالم فخُلقت معه قدرات ومهارات خفيّة تميّزه عن غيره، فقط علينا أن نبحث جيداً من أجل اكتشاف كنوزنا الباطنية.

حسب ما ورد سابقاً، كلٌ له كنز ومهمّة مختلفة، إذا لا بد من اختلاف السبل والطرق إلى الكنز المكنون، كلّ له طريقه إلى النجاح، لكن السؤال المطروح هنا كيف أجد هذا السبيل؟ كيف أجد شغفي في الحياة؟
ربما يقترح البعض الالتجاء إلى أدوات وأساليب التنمية البشرية فينصب كمّا هائلا من الأسئلة من جديد: ما الكتاب الذي غير نظرتك للحياة بعد قراءته ومن هو مدرب التنمية البشرية الذي أثر فيك وساعدك على التغير؟
لتأتي الأجوبة كعرس مبهرج من الأسماء والأفكار وعناوين الكتب المنمقة، لا أنفي فائدة لما سبق ذكره ولا أنكر أنني كنت قد تطرقت شخصياً لباقة محترمة من العناوين المختلفة ولا زلت أشاهد العديد من الفيديوهات التحفيزية وأستمع الى الأغاني الحماسية وغيرها.

إلا أنّ ما نبحث عنه جميعاً غير متوفر لا بين رفوف الكتب ولا على قائمة الفديوهات التحفيزية ولا حتى في حصص التنمية البشرية، ما تبحث عنه لن تجده لدى أحد مهما بلغت حكمته أو خبرته في الحياة ولا حتى تجاربه الشخصية التي نجح من خلالها قد تفيدك.
ما نبحث عنه جميعاً أقرب إلينا من حبل الوريد، ما نبحث عنه يكمن بجوهرنا، أو يعقل أن تجد الطريق إلى أحلامك في حصة تنمية؟ هل يجوز أن تبحث عن ذاتك في كتاب كتبه شخص ما مهما بلغت قدرته ومعرفته؟ هل من المنطقي أن تجد الأمل في كلام مُسجّل في فيديو أو أغنية حماسية؟
... هي فقط حلول مؤقتة تعطينا شعورا بالشجاعة والغبطة بصفة مؤقتة كأنها مسكّنات آلام لسنّ وجب اقتلاعه، كذلك وجب علينا مواجهة المخاوف وتجاوز الصعوبات بالمواجهة والبحث عن أصل المشكل لا بتعاطي المسكنات، وجب علينا التأمل الدقيق في جوهرنا واستنباط الحلول من أعماقنا لا من الخارج.

لكن قبل البحث في ثنايا روحك وعمق فكرك، أولاً عليك التصالح مع ذاتك، تقبلها كما هي عليه بعيوبها وأخطائها، تصالح مع عيوبك لتتمكن من إصلاحها لا تغطيتها، التخاطب ومصالحة الذات هو الطريق الأجدر لإصلاح العيوب والخطايا لا أقصد ههنا جلد الذات وتعذيب الضمير، لكن خاطب نفسك وتحاور معها كما لو كانت صديقك المقرب حاسب نفسك على الأخطاء وكافئها على صغير صنعيها لا تتسامح مع نفسك فتتمادى ولا تكن جلاداً قاسيا فتنفر نفسك منك.
شجع نفسك على القيام بالمهام وأخبرها أنها دائماً قادرةً على تحقيق المستحيل، أخبر نفسك دائماً أن ملامحك هي الأجمل على الإطلاق وأن ابتسامتك هي الأفضل، تعامل مع ملابسك رغم بساطتها أنها تليق بك، أنظر لنفسك بعين محب لكن لا تغتر فتصبح نرجسية وهذا ليس من ضمن أهدافنا البتة، فقط أحب نفسك بالحال التي هي عليه، إذ أننا لا نستطيع أن نقدم المحبة على النحو الصحيح لأحد دون أن نتعلم كيف نحب أنفسنا.

بعد البحث عن الذات والتصالح مع ما فيها من عيوب، حريٌ بنا أن نمر ببعض الإصلاحات، فتزود بالعلم وأنر عقلك بالمعرفة ولا تجعل منك فريسة للأفكار السلبية، عقلك سلاح ذو حدين باستطاعته أن يكون سراجك الوهاج في عتمة العالم أو عدوك الأول فيفتر عزيمتك بالأفكار السلبية، إذا اقتنعت أنك قادر على فعل شيء صدقني لن يحيل بينك وبين بلوغه قوة في العالم، وليس المقصود بالمعرفة في هذا المقام تلك الشهادات التي تتحصل عليها، المعرفة هي رغبتك بتعلم أشياء جديدة وتلك الثمرات التي آتت أكلها في ثنايا الكتب المنسية، فالعلم كالخريطة يساعدنا على معرفة العالم ويزودنا بالشجاعة لخوض تجارب جديدة، تذكر دائما ألا أحد وُلِد عالماً أو فيلسوفاً، وحده السعي إلى المعرفة هو الفيصل بين الناس.
تشحننا المعرفة بالثقة في النفس، وهذا هو هدفنا الأسمى الثقة بالنفس هي سبيلنا إلى النجاح إذا وثقنا بقدراتنا لا شيء يثنينا عن نيل المُنى.

تحلّى بالشجاعة وخض المغامرة فلا حاجة لك بنصف حياة، ادفع بنفسك إلى أقصى الحدود ولا تتوقف في منتصف الطريق، ولو فشلت لا تيأس فما الفشل إلا صفحة في كتاب الحياة أطوِها ولا تقطعها، تصالح معها وتعلم منها، فقوتك تظهر في قدرتك على عيش آلامك دون تأثر لا بنسيانها.
إعلم جيداً أن الفشل مؤقّت والنجاح كذلك لا يدوم، وحدها الشجاعة تُحدث الفرق، مهما بلغ بك الفشل مبلغه لا ينبغي أن تيأس أو تفتر همّتك حتى تنال بغيتك، فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة وخطوتك الأولى للنجاح هي أن تستيقظ، ولا أقصد الاستيقاظ من النوم طبعاً، بل استيقاظ الوعي والضمير، كن واعيا بما يدور حولك وبما تسوله لك نفسك وبما تجرّك إليه أهوائك، كن واعيا للوقت الذي تقضيه على الهاتف ذلك العدو الصغير، بل أقصد الاستيقاظ إلى الحياة، لقد وهبنا الله الحياة فقط بصفة فطرية لكن نحن من يقرر في أن نجعلها سيئة أو جيدة، نحن من نتحكم بنجاحها من عدمه.

يجب أن نشق الطريق رغم صعوبته، أن نشقه فُرادى إن استدعى الأمر، علينا أن نعتمد على أنفسنا، وأن نكون مستقلين بذواتنا والاستقلالية تكمن في القدرة على عدم التمسك بشيء، علينا أن نتذكر دائما أن الكون بأكمله زائل وأنّنا نولد للحياة بمفردنا فلا داعي أن نربط سعادتنا او نجاحنا بأحد، (لا بأس ببعض الأصدقاء الحقيقيّين حولك من نوع الضماد أو المسكّن وإن كنت محظوظا كفاية ستجد أولئك النادرين من صنف العضد أو الكتف الذين سنخصّهم بالذكر في مقالة خاصة كتحية للنادرين من حولي).
أنت قادر على إسعاد نفسك بنفسك، وإسناد نفسك بنفسك فلا تتكِّئ على أحد فتسقط بمجرد ميلانه، لا تنتظر الاهتمام من أحد ولا تسمح لأحد أن يحبطك، ولا تضع نفسك في مهب الريح فتميح معه، ولا تنتظر أحدا لينير الحياة من أجلك، كن لنفسك كسراج وهاج ينبثق نورك منك فتضيئ دربك بنفسك، أنت الذي لا يشبهك أحد في العالمين، أنت السرّ، أنت سبب نجاحك وسبيلك إليه، تحمّل وتقوّى بالله عز وجل، جابه مصاعب الحياة بعناد وقوة وأشرق وكأنّ الكون كله لك وارفع صوتك بالحق، رأيك يضاهي اسمك أهمية فاجهر به ليعلم العالم من أنت، لا داعي للخجل من شيء فالمتسائل يتعرض للأحراج مرة واحدة ليتزود بالمعرفة والصامت يحافظ على بريقه الزائف الذي يغلف جهله.

أخيرا وليس آخرا رحلة الحياة مكفوفة بالصعاب والمغامرات، يمكننا نعتها بالحرب من حروب باطنية وهي التي تهمنا بالأساس إلى معارك خارجية، وما يهمّ في هذه الرحلة هو القلب، القلب هو ما يجب الحفاظ على سلامته وتوهّجه مهما خضنا من حروب، علينا أن نتذكر أن الله سبحانه يرانا ويرعانا فلنتوكّل على الله خير توكّله ونُعِدّ أشرعتنا وننطلق في بحر الحياة، وكفى بالحياة تجملا ما دام الباري جل وعلا من سطّر أحداثها وكفى بالأقدار عدلا ما دام الله سبحانه وتعالى حاكمها وقاضيها.

ملاحظة: عزيزي القارئ تمّت كتابة هذا المقال في يوم من أيام البطالة العجاف وبمؤهلات نفسية عادية، لا شيء يدعو للتأمل في الأفق، وحدها الثقة بالله عزّ وجلّ ومن بعده الثقة في كرمه سبحانه أنه سيهدينا السبيل لنجد ما نبحث عنه، وإن لم ننجح يكفينا شرف المحاولة...

شارك المقال

ماذا تعرف عن "ماَزالَ بحثي عني فيَّ مُتواصل..." شاركنا بها في التعليقات

يوم الحلوى في كوكب اليابان
الحب... كلمة بسيطة تحمل في ثناياها مفاهيم عظيمة، لكن بالرغم من تعدد تعاريف إحساس الحب وتراتيب درجاته إلا أ ...

عرض المزيد ...

خربشات من وحي الذاكرة
... الثلاث نقاط المتتالية التي بدأت بها الكتابة لا لتجميل الورقة طبعا إنما هي لمواصلة ما كنت عليه منذ ...

عرض المزيد ...