"زها حديد"، اسم على مُسمَّى

شخصيات الأربعاء 31 مارس 2021
"زها حديد"، اسم على مُسمَّى

"لا أعتقد أن المعمار يقتصر على المأوى، فهو ليس مجرد سياج بسيط، بل يجب أن يحمّس المرء، ويهدّئ أعصابه ويدفعه للتفكير".
... لم يكن مجرد كلام قط، بل كان وجهة نظر وطابعا معماريّا متفرّدا بدا جليّا في أعمال سيّدة المعمار الأولى "زها حديد" حول العالم.

زها محمد حسين اللهيبي المعروفة باسم "زها حديد"، معماريّة عراقية بريطانية، ولدت في العاصمة العراقية بغداد يوم 31 أكتوبر 1950 لعائلة ذات نفوذ، تلقت في كنفها تربية عصرية مستنيرة ودعما كبيرا وكان والداها مصدر إلهامها وقدوتها الأولى، حيث زرعا بها حب المعرفة والتعلم كجواز سفر ساري المفعول لتشقّ رحلة الحياة.
كانت ذكيَّة وطموحة، أنهت دراستها الثانوية في بغداد، ثم تعلمت الرياضيات بالجامعة الأمريكية في بيروت أين تحصّلت على شهادة الليسانس سنة 1971، لتنتقل فيما بعد إلى لندن لدراسة الهندسة المعمارية بكلية الجمعية هناك وتتحصل على شهادتها في 1977 وأصبحت لاحقا مدرسة في الجمعية.

في البداية حاولت "زها" أن تبدأ خطوتها الاولى في العراق لكن تصميمها المجاني المقترح لمقر مجلس النواب العراقي قوبل بالرفض، فقرّرت الانتقال إلى هولندا والانضمام إلى مكتب معمار العاصمة بجانب عملها بالتدريس في الجمعية المعمارية، وعملت في مشروعات تصميم مبنى البرلمان الهولندي.
سنة 1979 انتقلت عبقرية المعمار إلى بريطانيا حيث أنشأت مكتبها الخاص للهندسة المعمارية في لندن مكتب "زها حديد المعماري" والذي يعمل به اليوم أكثر من 350 شخصا.

عرفت "زها حديد" باسم "مهندسة الورق" تعبيرا عن شدة حداثة تصاميمها واستحالة تجاوزها مرحلة الرسم، يبدو ذلك واضحا في تصاميمها المعروضة بالمتاحف والمعارض الكبرى كمعرض "سربنتين ساكلر"، لتفاجئ العالم بتنفيذها على أرض الواقع.
كان الرسم والرسم بالألوان من الأدوات الأساسية التي استخدمتها "زها حديد" في التصميم، وقد كان تأثُّرها بكل من "ماليفيتش" و"تاتلين" و"ألكسندر روجينكو" واضحًا في استخدامها للرسومات التخطيطية باعتبارها الوسيلة الرئيسية لتجسيد أفكارها المعمارية، فامتزج واقع تصاميمها بالخيال المغرق في الحرية والحداثة. قال "أندرياس روبي" عن إبداعاتها وتصاميمها، وهو ناقد للفنون المعمارية: "مشاريع زها حديد تشبه سفن الفضاء تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لا فيها جزء عال ولا سفلي، ولا وجه ولا ظهر، فهي مباني في حركة انسيابية في الفضاء المحيط، ومن مرحلة الفكرة الأولية لمشاريع زها إلى مرحلة التنفيذ تقترب سفينة الفضاء إلى سطح الأرض، وفي استقرارها تعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة."

بنت "زها" لنفسها إمبراطورية عظيمة في عالم الهندسة المعمارية وكانت متمردة على المألوف والكلاسيكي حيث التزمت ب "المدرسة التفكيكية" التي تهتم بالنمط والأسلوب الحديث في التصميم حيث تعتبر زها من روّاد فن العمارة المعاصرة في العالم.
فرضت الأسطورة العراقية لغة معمارية خاصة فازدهرت معها هندسة فريدة تتّسم فيها التصاميم بالحركة والانسيابية من نقاط نظر متعددة: "هناك 360 زاوية مختلفة، فلماذا نتمسك بواحدة فقط؟"، هكذا كانت تقول المعمارية "حديد" وبلورت ذلك على هيئة أعمال إبداعية ومبتكرة، جسدت فيها فلسفة "العمارة التفكيكية" لتطال الأدب والفن فساهمت من خلالها في عالم الهندسة أيّما مساهمة.
نجحت في ترك بصمتها المتمردة ولمستها الغريبة الممزوجة بالسحر والخيال في 44 دولة حول العالم من خلال 950 مشروعا مختلفا، من أشهرها محطة إطفاء الحريق "فيترا" في مدينة "فيل أم راين" بألمانيا الذي يعد أولى مشاريعها الناجحة ليتحول إلى متحف فيما بعد، ومن أشهر نجاحاتها أيضا تصميمها لمركز "روزنتال" للفن المُعَاصِر سنة 1988، وهو أوَّل متحف أمريكي تتولى تصميمه امرأة، واعتبرته جريدة النيويورك تايمز أهم المباني الأمريكية التي أُنْشِئت منذ الحرب الباردة، كان هذا أوَّل مشاريعها بالولايات المتحدة الأمريكية وقد حصل تصميمها على جائزتين: جائزة المعهد الملكي للمعماريين البريطانيين سنة 2004 وجائزة المِعْمَار الأمريكي من متحف شيكاغو المِعْمَارِي السنة الموالية.
صمّمت سيدة المعمار الأولى مباني مستقبلية تحدّت فيها قوانين الجاذبية بفضل تكنولوجيا متطوّرة، كما أبدعت في استخدام مواد بناء جديدة، وابتكرت أشكالا مُذهلة كانت تبدو أنّها ستظل مُحتجزة على الورق حيث كانت تصاميم سبّاقة لإمكانيات العالم الرقمي والواقع الافتراضي.

سجلّ حافل بالأعمال ورحلة مهنية دامت 39 سنة مُكلّلة بالنجاحات المتواصلة، تمرّدت واقتحمت مجالا ذكوريّا بحتا وكانت رائدة فيه عن جدارة، وقد توّجت خلال حياتها المهنية بعدد لا يحصى ولا يّعدّ من الأوسمة والجوائز حيث قضت حياتها تجوب العالم بفخر إمّا لتدشين تصاميمها التي أصبحت قيد التنفيذ ونقلتها من عالم الخيال إلى أرض الواقع أو لتتسلم الجوائز والأوسمة التشريفية والتي تتعدى المئة جائزة.
وبداية من عام 2000 كانت تحصل على جائزة سنويا، حتى أنّها حصلت على 12 جائزة في عام واحد على رأسها الميدالية الذهبية للتصميمات المعمارية عن تصميماتها في بريطانيا في عام 1982. وفي سنة 2004 أصبحت أوَّل امرأة وأحد أصغر الحاصلين على جائزة "برتزكر" للهندسة المعمارية الأرفع على مستوى العالم في مجال الهندسة المعمارية.
في عام 2012، حصلت زها على وسام الشرف البريطاني برتبة "سيدة قائد" ولازالت القائمة تطول بالألقاب والتتويجات.

امرأة بإرادة حديدية كانت العقل المبدع وراء أعمال تضاهي الخيال فنّا وعمارة. في مثل هذا اليوم الواحد والثلاثين من شهر مارس من سنة 2016 رحلت المعمارية العراقية العالمية "زها حديد" في مستشفى ميامي، إثر إصابتها بأزمة قلبية مخلفة وراءها بصمة عريقة، لتكون ذكرى لا تُنسى حول العالم حيث لقبتها مجلة "فوريس" الأمريكية بلقب "أقوى مهندسة في العالم" كما اختارتها رابع أقوى امرأة في العالم سنة 2010، لتكون فخرا يحتذى به لكل امرأة عربية في المقام الأول وحول العالم ثانيا.

شارك المقال

ماذا تعرف عن ""زها حديد"، اسم على مُسمَّى" شاركنا بها في التعليقات

غاندي الرجل المسالم والملهم العظيم
هل يمكن للطرق السلمية أن تأتي أكلها أمام غاصب محتلّ للأرض والعرض، الإجابة الموحدة والوحيدة هي لا ... ...

عرض المزيد ...

ستالين : رجل الحرب
ستالين أو جوزيف فيساريونوفيتش ستالين هو ثائر جورجي و القائد الثاني للإتحاد السوفياتي بعد فلاديمير لينين

عرض المزيد ...