الموكب الملكي : ملوك مصر يجبون الشوارع

تاريخ السبت 03 أبريل 2021
الموكب الملكي :  ملوك مصر يجبون الشوارع

حقيقة اجد صعوبة في اختيار نقطة زمنية معينة تُسرد منها قصة التاريخ المصري العظيمة، فمصر موغلة في القدم قدم الزمن نفسه. واحس برهبة اثناء اختيار ما سأتناول ذكره واختيار العبارات التي توفي هذه العظمة حقها. مصر مترامية الاطراف ليس فقط جغرافيا وانما اكتساح المصري القديم لمجالات عديدة لا يمكن حصرها و ابداعه في جل هذه المجالات، حتى انه كان مقداما سباقا فيها، كل هذا يجعل الحديث عن مصر مهمة صعبة ومسؤولية خطيرة.
حتى اني لا ارى انني الشخص المناسب لهذه المهمة لكنني ساحاول تناول الموضوع بقلم محب لهذه الحضارة، دعني اقول قلم هاوٍ لما يهوى –ولو ان الصمت في حرم الجمال جمال-. لكن اقدم اعتذاراتي مسبقا لاني ساتمرد على حرمتها رغم انها تأبى ان اختزلها في اسطر او ان احصر عظمتها في بعض كلمات. عذرا من هيببتها الجليلة لطرحي الموضوع باقتضاب خوف التقصير في اختيار العبارات التي توفيها حقوقها.
عذرا على الاطالة لكن يرجف قلمي امام جلال سلطانها وتتطاير اوراقي في حضرتها و تصمت شفتاي لا تنبس بكلمة امام محراب جمالها وعظمتها.

رحم التاريخ ومهد الحضارات، فيها ولدت الحضارة البشرية منذ الاف السنين، فقد ظهرت الحضارة مبكرا في وادي النيل ودلتا المصريتين. نحن اليوم في حضرة مصر او «إيجيبت» في اللغة الإنجليزية وهي مشتقة من التعبير المصري القديم «حوت كا بتاح» – ويعني «معبد قرين بتاح» – وهو اسم معبد مصري قديم خُصص للمعبود المصري القديم «بتاح»، إله مدينة «منف»، العاصمة المصرية القديمة.

وصف "ابو التاريخ" المؤرخ الاغريقي "هيرودوت" الحضارة المصرية ب"هبة النيل"، وصف لا يخلو من منطقية فقد ساعد وجود نهر النيل على تشكّل المجتمعات الزراعيّة منذ سنة 6000 قبل الميلاد، ذلك النهر العظيم الذي جاء مع دمع "الربة ايزيس" حسب الاسطورة.-قصة تستحق ان تكون رواية بحالها فكيف لهاو مثلي ان يختزل ام الدنيا في اسطر وكل سطر من هذه الاسطر يستحق كتب لنوفيه حقه-.

لكننا نعلم جميعا ان نهر النيل لم يكن حكرا على مصر فقط اذ تتمركز دول اخرى عديدة على ضفتي هذا النهر المعطاء ولم نرى بها من الازدهار والعطاء ما ألفناه في مصر. اظن ان سر ازدهار واستمرار الحضارة المصرية يكمن في ارضها اولا وفي قلب ذلك الفلاح النابض بالعطاء وفكره الذي يشع نورا فاهتدى بحكمته لحسن استغلال مياه النيل ليمنح الحياة لارضه فادرك غايته وتجاوزها من الحياة للعظمة وكانت مياه النيل مثل الترياق لارضه فاصبحت تسحر كل من فيها ليعطي ويبدع اكثر وكانت في المقابل ارضا سوية مطيعة تكشف اسرار ازدهارها لمن يريد تطورها وابية عصية على الفهم لكل من يريد بها سوء.
اذا السر يكمن في الانسان المصري بفطنته وذكاءه ورغبته في ازدهار ارضه وحب الاطلاع وكشف اسرارها ومن ثم المساهمة في تطورها وتفردها بالدأب المتواصل والصبر والعمل المتقن.

تبدو هذه الامور جلية اثناء التعمق في الماضي المصري المشرف، وانت تتجول بين الاهرامات وتتنقل بين المعابد ودعنا لا ننظر بعيدا فصغير الاشياء كفيل باشفاء غليل فضولنا حول عظمة المصري القديم ليثير دهشتنا بنقش صغير على جدران معبد مازال يحافظ على رونقه وسلامة الوانه منذ الاف السنين.
كنت قد قلت انها حضارة مترامية الاطراف ابدع شعبها في مجالات شتى، ساهمت بطريقة او باخرى في تطور البشرية والتقدم بخطاها فلا ننسى انها حافظت على الذاكرة البشرية من الضياع وادخلت العالم الى دنيا التدوين حين ابدعت الكتابة حوالي 3000 قبل الميلاد ومن هنا تبدأ قصة الحضارة المصرية المكتوبة.
ويتشكل المجتمع المصري القديم من ثلاثة مستويات هرمية، وهي: الآلهة، والملك، والموتى، ويعدّ الملك أكثر عناصر هذا التكوين أهمية، حيث يدير شؤون الرعيّة، وينظّم أحوال البلاد، حتى ان المصريون أطلقوا على ملوكهم لقب الفراعنة.

استرجاعا لعظمة ملوكهم واعادة لاحياء ذكرى سلطتهم سيُنفض الغبار اليوم على سنوات خلت، تعاقب على مصر خلالها ثلة محترمة من الملوك الذين ازدهرت في حضرتهم مصر القديمة وساهموا في بناء مصر الحديثة وستشهد شوارع مصر اليوم الحدث الاستثناء، حيث سيتجول 22 ملك وملكة تداولوا على كرسي الحكم سويا في الارجاء يجوبون البلاد في موكب ملكي عظيم يشهدون تطور دولتهم وما صنعه اشبالهم في حمى البلاد على مر الاف السنين. ليروا ان كانت فائدة الاقتداء قد تمت من قبل احفادهم وان كانوا قد وقفوا على احوال تاريخهم، ذلك التاريخ العزيز المذهب جم الفوائد.

وكما يقال ما من أمة إلا وتاريخها باعث حاضرها وأصل وجوده، والتاريخ يُنبئ الأمم بمستقبلها. فحاضر مصر ومستقبلها ما هو الا انعكاس لحسن ماضيها في مرآة الحياة.
اجلالا لهذا الماضي المشرف و اثباتا لحسن انعكاس صورته الحاضرة، تشهد شوارع القاهرة اليوم حدثا تاريخيا يعد الأول من نوعه في العالم، لنقل 22 مومياء ملكية في موكب مهيب من مكان عرضها الحالي بالمتحف المصري بالتحرير إلى مكان عرضها الدائم بالمتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط. ويبدأ خط سير المومياوات من ميدان التحرير مرورا بميدان سيمون بوليفار وكورنيش النيل بحيي السيدة زينب ومصر القديمة وصولا لمتحف الحضارة.

حدث بدأت تستعد له مصر منذ سنة ونصف، استعدادا يليق بعظمة اجدادهم الفراعنة. وقد كان اصل فكرة هذا الموكب المهيب فكرة "الدكتور خالد العناني" وزير السياحة والآثار بمصر حيث يقول :
" وجاءت لي فكرة موكب المومياوات الملكية بسبب فيلم كنت أشاهده منذ الصغر عن استقبال مومياء الملك رمسيس الثاني عندما وصلت إلى باريس، عام 1976، وكان الفيلم بمثابة رسالة يقولون لنا فيها أنظروا كيف نقوم باحترام أجدادكم، فعندما استقبلنا مومياء مصرية، وضعنا سجادة حمراء في الطائرة، وأطلقنا أعيرة نارية احتفالا بها، واستقبلناه استقبال رئيس جمهورية، احتفالا بهذه المومياء المصرية العظيمة.
ولذلك عندما تناقشنا أنا وزملائي في عام 2019، عن نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية، استرجعت بذاكرتي هذا الفيلم، وقلت أن هذا الحدث يجب أن يتم بطريقة لائقة، فهؤلاء الملوك، رمسيس الثاني، رمسيس الثالث، أمنحتب الثالث، سيتي الأول، وتحتمس الثالث، وغيرهم من الـ22 مومياء التي سيتم نقلها خلال الموكب، أصحاب فضل على مصر والبشرية بأسرها، فهم من صنعوا التاريخ المصري القديم."

مع غروب الشمس واكتساء السماء بحمرة ذهبية، على الساعة السادسة مساء في اليوم الثالث من شهر افريل، تتأهب مصر لحدث يعد الاول من نوعه عالميا انه الموكب الذهبي موكب العظمة والهيبة ملوك تعاقبوا على سلطة البلاد وحكموها بنوا ماضيها وسيشهدون اليوم رقي حاضرها، موكب من احدث ما يكون وافخم ما يمكن ان يكون، عرف عن الفراعنة تطورهم ودقتهم، فنهم وابداعهم وهاهو المصري الحديث يحاول جاهدا محاكاة عظمة الماضي وكأنه يريد ان يثبت جدارته لاجداده وانه قد لُقن الدرس. وكأن المصري الحديث يريد ان يثبت للعالم مدى احترامه وتقديره لماضيه بمن فيه من ملوك ويعبر عن امتنانه لما قدمه القدامى.

حدث تاريخي حضرت له مصر وروجت له حتى اصبح محط انظار وحديث العالم اجمع ، 22 مومياء ملكية ترجع إلى عصور الأسر "17، و18، و19، و20". ينتظر العالم تحركها على احر من الجمر وهؤلاء الملوك هم الملك "سقنن رع"، الملكة "أحمس نفرتاري" زوجة الملك "أحمس"، الملكة "ميريت آمون" زوجة الملك "آمنحوتب الأول"، الملك "أمنحوتب الأول"، الملك "تحتمس الأول"، الملك "تحتمس الثاني"، الملكة "حتشبسوت"، الملك "تحتمس الثالث"، الملك "أمنحوتب الثاني"، الملك "تحتمس الرابع"، الملك "أمنحوتب الثالث"، الملكة "تي"، الملك "سيتي الأول"، الملك "رمسيس الثاني"، الملك "مرنبتاح"، الملك "سيتي الثاني"، الملك "سي بتاح"، الملك "رمسيس الثالث"، الملك "رمسيس الرابع"، الملك "رمسيس الخامس"، الملك "رمسيس السادس"، الملك "رمسيس التاسع".

سيتم نقل المومياء الاثنين والعشرون في عربات ملكية صنعت خصيصا لتراعي كل معايير الامانة والسلامة المتبعة عالميا في نقل القطع الاثرية من خلال وحدات تعقيم مجهزة باحدث الاجهزة العلمية من الداخل وفي الان نفسه تضمن تنفيذ الاحتفالية بما يليق بعظمة الحضارة المصرية من الخارج. وسيرافق الموكب الملكي احتفالات عديدة تم التحضير لها طويلا لتليق بهيبة الحدث من مواكب للخيل وعروض استعراضية وغيرها من الاحتفالات التي تتبرج بها مصر كافتخار بمجدهم وعظمة ملوكهم الكرام.

يتزامن الموكب الملكي مع افتتاح كل من القاعة المركزية –قاعة العرض الرئيسي للمتحف تشمل عرضا للحضارة المصرية واهم إنجازاتها عبر العصور بدءاً من عصور ما قبل التاريخ و مروراً بالعصور الفرعونية واليونانية الرومانية والقبطية والإسلامية ووصولاً للعصر الحديث والمعاصر إضافة إلى ما ثوارثه المصريون من ثقافة تقليدية- وقاعة المومياوات الملكية بالمتحف القومي للحضارة المصرية وهي قاعة صممت خصيصاً لعرض المومياوات من ملوك وملكات مصر الفرعونية، والتى تهيئ للزائر أجواء منطقة وادى الملوك، حيث عثر على هذه المومياوات، وبشكل يليق بمكانتهم الرفيعة.

لكن مع الاسف تم التصريح ان المومياء لن يتم عرضها مباشرة في مكانها الجديد ولا حتى في اليوم الموالي على الرغم من كون القاعة والتوابيت قد تم تجهيزها مسبقا، لكن سيستغرق الامر عدة ايام لكي يقوم المرممون بتجهيز المومياوات للعرض، و قد صرح وزيرالسياحة المصري ان المومياوات ستكون جاهزة للعرض بالفعل يوم 18 أبريل، في يوم التراث العالمي.
اختيار موفق ودراسة محكمة لكل التحضيرات من تصميم قاعة العرض كمقبرة حقيقية من العصر الاخر وتهيأة لمسار الرحلة الملكية، صنع العربات الخاصة والاحتفالات التي سترافقها من اغاني وطنية، عروض واطلاق للنار وكانهم فعلا ملوك الزمن الحالي، حتى يوم عرضهم تم اختياره ليتزامن مع يوم التراث العالمي. ان دل على شيء فعلى مدى فخر واعتزاز المصري بماضيه وانه يريد ان يتباهى باجداده وحضارته و ومدى احترامه لها في حضرة العالم كله.

اجراءات وتحضيرات دامت حول ونصف تقريبا من تكاتف المجهودات في الدولة المصرية ليكون هذا الموكب في ابهى صوره ويتم على احسن ما يرام تحت شعار "العظمة" ولا شيء غير العظمة. تم الترويج له على النحو الامثل ليكون حديث العالم كله. حدث الاول من نوعه حول العالم يليق بعظمة وهيبة الحضارة المصرية القديمة، 22 ملكة وملك من بُناة الحضارة الفرعونية يتجولون في شوارع القاهرة بعد الاف السنين، ما بين حداثة وتطور الحاضر وبين معجزات وهيبة الماضي يقف العالم بأسره احتراما واجلالا لهذه الحضارة العريقة.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الموكب الملكي : ملوك مصر يجبون الشوارع" شاركنا بها في التعليقات

جامعة الدول الْعربية
ها هو صوْت المدافع والقنابل يَخْبو، ها هي الشوارع تُكْنس من الجثث والحجارة، فالحرب العالمية الثانية قد ...

عرض المزيد ...

التاريخ: بين الحقيقة والزّيْف
"إنّ فنّ علم التأريخ فن عزيز المذهب,عديد الفوائد,شريف الأهداف. من خلاله يقع التعرف على أحوال الماضين من الأمم في ...

عرض المزيد ...