جدل متجدّد حول دخول الشهر المعظّم.

أراء الأحد 11 أبريل 2021
جدل متجدّد حول دخول الشهر المعظّم.

من "محاق" إلى "هلال متزايد" فــ "تربيع أوّل" ثم "أحدب متزايد" فــ "بدر" ثم "أحدب متناقص" إلى "تربيع ثانٍ" ثم "هلال متناقص" ليعود من جديد "محاقٍ"، هذه دورة حياة القمر والأطوار التي يكون عليها وهو يدور حول الأرض في دورة تمتدّ تسعا وعشرين يوما ونصف تقريبا، قمر تشرئبّ أعناق المسلمين لتتطلّع مولده إعلانا لدخول شهر قمريّ جديد، ويزداد هذا الاهتمام آخر أيّام شهر شعبان إيذانا بدخول شهر رمضان المعظّم.
وبقدر الاهتمام الذي توليه الدول الإسلامية لدخول الشهر الكريم يكثر الاختلاف بينها في تحديد أول يوم من رمضان فبين معتمد على رؤية الهلال بالعين المجرّدة استنادا لظاهر الحديث النبوي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته..." وبين دول تعتمد الحساب الفلكي وأخرى تستأنس بالحساب وتعتمد الرؤية، وتنزع بعض الشعوب إلى ما تقرّره المملكة العربية السعودية لتحسم الخلاف، اختلاف أوصل الفارق بين الدول إلى ثلاثة أيام أحيانا. فما حقيقة وأسباب هذا الاختلاف؟ وكيف السبيل لتجاوزه؟

أجمع علماء الأمّة من أنّ دخول الشهر القمري عامة ورمضان خاصّة يثبت بواحدة من ثلاث طرق، رؤية الهلال أو إكمال عدّة شهر شعبان ثلاثين إنّ غمّ علينا رؤية الهلال أو التقدير للهلال، لكن الخلاف تسلّل في التفاصيل بين اعتبار رؤية شخص واحد عدل أم اشتراط رؤية عدلين أم اعتماد رؤية جمّ غفير من النّاس، ولكلّ حجّته ودليله ومُستنده، ولا يتّسع المجال هنا لمناقشة هذه الأدلّة أو الحكم بينها فلا يزيدنا ذلك إلا اختلافا وحيرة، والرأي أنّها طرق ووسائل لزمان كان الأميّة طاغية فيه، والجهل بعلم الفلك والحساب هو الواقع والمألوف، أمّا وقد أصبح المقرّر والمتّفق عليه علميّا أنّ احتمال الخطأ في التقديرات العلمية الفلكية تبلغ نسبته واحد على 100000 في الثانية فحريّ بنا أن نراجع الموقف ونتحرّر من الطرق المعتمدة في القرون الأولى لنعتمد طريق العلم والمعرفة وهي من صميم ديننا الحنيف الذي شجّع العلم ودعا إلى البحث والمعرفة والتدبّر قال تعالى: "هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (سورة يونس الآية 5)

لا يمكن أن ننكر قدسيّة وعظمة شهر رمضان، شهر أنزل فيه القرآن وفرض الله صيامه وجعله ركنا من أركان الدين، "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ..." وهذه القدسيّة والتعظيم تفترض منا مزيدا من التوحّد والاتّفاق في توقيت هذه العبادة حتى نكون فعلا كالبنيان المرصوص و"خير أمّة أخرجت للنّاس" لا أن نفترق ونتشبّث بحرفيّة وظاهر النصّ ونتغافل عن المقصد من الصوم وسائر العبادات، كما أنّ الأخذ بالحساب القطعي اليوم كوسيلةً لإثبات دخول الشهر القمري يُخرج الأمّة من الاختلاف في تحديد بداية يوم الصوم وكذلك العيد ومثلها عيد الأضحى وغيرها من المناسبات ممّا يدعم وحدتها خاصّة وأنّ علم الفلك الحديث يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة المتطوّرة، وعلى الحساب الرياضي القطعي.

إنّه لمن المؤسف أن نتشبّث بنصيّة الحديث النبوي المتعلّق بربط الصوم برؤية الهلال، واعتماد ذلك لرفض الحساب الفلكي واستبعاده وفي أحسن الحالات الاستئناس به كما يردّد البعض، والحال أنّنا وفي عبادة يوميّة دقيقة كالصلاة وهي عماد الدين نلتجئ إلى العلم والحساب لتحديد وقت كل صلاة بل أصبحت هناك تطبيقات على هواتفنا الذكيّة تضبط لنا وقت الصلاة ونعتمدها دون تردّد أو تفكير في مشروعيّتها ودقّتها، والحال أنّ هناك أحاديث نبويّة وآيات قرآنيّة تضبط أوقات الصلاة اعتمادا على الرؤية قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَحْضُر الْعَصْرُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ ثَوْرُ الشَّفَقِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ مَا لَمْ يطلع قرنُ الشَّمْس". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُد.

وخلاصة القول في ما سبق، أنّه لا تشكيك في اعتبار أنّ الأصل في تحديد دخول الشهر القمري هو اعتماد الرؤية وهذا ما جاء صريحا في النصوص الشرعيّة، لكن ومع ما أثبته العلم من تقدّم هائل في الحسابات الفلكية المتعلّقة بعديد الظواهر الكونية كالكسوف والخسوف وظهور المذنّبات وتحديد ذلك بدقة متناهية تُحتسب بالثانية فإنّ ذلك مدعاة لاعتماد الحساب الفلكي لتحديد أوّل الشهر القمري وتوحيد التقويم الهجري والله أعلم.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "جدل متجدّد حول دخول الشهر المعظّم." شاركنا بها في التعليقات

خربشات من وحي الذاكرة
... الثلاث نقاط المتتالية التي بدأت بها الكتابة لا لتجميل الورقة طبعا إنما هي لمواصلة ما كنت عليه منذ ...

عرض المزيد ...

المراة عنوان كل جميل
إلى نساء العالم أوجه رسالتي، أنتنّ القوة بجاهكنّ المتّصف بالكيد العظيم وأنتنّ العقل بعقولكنّ المتّهمة با ...

عرض المزيد ...