إنّما أنتَ أيام

أراء الأحد 18 أبريل 2021
إنّما أنتَ أيام

"إنما أنت أيام.."
إنّها الساعة الرابعة أو الخامسة ربما , أفقْت باكيا أتقلّب داخل سريري الصغير,توقفت عن البكاء, إنه وجه أمي وبقايا النوم عالقة على محيّاها. لله درّك يا أمي لا تقلقي أنت جميلة في كل حالاتك. أعذريني قطعت أوصال نومك, ولكنّي رضيع صغير في حاجة دائمة إلى وجودك حولي وعنايتك بي, ولا أهمية لديّ للزمان والمكان والظّرْف.
بعد أن أطْعمتْني أمي ورتّبت فراشي بعناية, نمْت على هَدْهَدَاتها الشّجيّة التي لم تفْشل في إغرائي بالعودة إلى النوْم دوْما.
في الغد, ساعدتني أمي الجميلة على تجْهيز محفظتي وارتداء ملابسي الجديدة. لقد كنت متحمّسا جدا وخائفا بعض الشيء لكن سرعان ما زال خوفي بضحكة أمي ودعائها, كالعادة هي لم تفشل يوما أيضا في شحْذ همّتي بالعزم والأمل.
على وقْع كلماتها ولمْعة عينيها الفاتنة التي اغْروْرقت ببعْض الدموع, توجّهت نحو الكليّة. إنه يوم الامتحان الأخير لسنتي الأخيرة, سنة التخرّج.
بعد الامتحان, قصدت صحْبة خطيبتي محلّ الأثاث لنختار أثاث بيتنا واتفقنا على إتمام وثائق الزواج في الغد . لكنني أخْلفت الموعد, لقد كلّفني رئيسي في العمل بتحضير بعض الملفات المهمة قبل حضور الاجتماع الفجئي الذي كان خارج أوقات العمل.
لقد كان يوما متعِبا ككل الأيام ,لم أتمكن من تناول الطعام ولا شرب الماء بشكل كاف ولا ممارسة بعض الرياضة ولا زيارة أمي المريضة.
في اليوم الموالي, فعلت ذلك, زرت أمي ثم أخذت زوجتي إلى المستشفى لولادة إبنتنا البكْر "حياة".
رنّ الهاتف, تفحّصت الشاشة بتمعن- لقد كنت أعاني ضعفا في النظر- إنها مدرسة "حياة" تستدعينا إلى حفل نهاية السنة الدراسية.
بعد نهاية العرض, زرت أمي في المستشفى, كانت متعبة ومنهكة, لكن حين لمحتني تبسّمت, لله درّك أماه بتَجَاعيدك وأنّاتك وسنينك . آسف لأنني لم أستطع حضور موْكب دفْنك إذ كنت في غربة حينها.
عدت بعد بضع سنين ومعي روماتيزم وضغط دم وأَرَق, وسيارة ومال كثير . ما إن وصلت, زوّجْت ابنتي,وأقمت مؤسّسة في مجال عملي. وأصبحت أنا رب العمل والمدير والمسؤول, ولكن مازلت لا أتناول طعاما صحيا بانتظام ولا أواظب على شرب الماء وتوقفت عن ممارسة الرياضة بسبب المسؤوليات وضغوطات العمل المنوطة بي.
وفي عيد ميلاد حفيدتي, وبين ترنيمات العيد والأمنيات رنّ هاتفي,إنه صوت أخي مُتّهدّجا بعد سنوات طوال لم أُعدّدها,ربما منذ وفاة أمي إذ اختلفنا حول الميراث,يحدثني ويطلب رؤيتي. ذهبت إليه, صالحته وحضنته و..دفنته.
عُدت إلى منزلي, وقد كان الليل قد انتصف, كان الجوّ باردا رغم أنّ الفصل صيْفي. سارعت إلى الدخول حتى أنعَمَ ببعض الدفء. لكني لم أجده, ولم أجدها.. شريكة العُمر . واريْتها الثرى, ومذْ تلك الليلة لم أشعر بالدفء أبدا .
أوه وأخيرا انتهي اليوم, لقد كان طويلا حسِبته لن ينته !
إنها الحياة, سيْرورة, كالتي رويناها في هذا النص, تواصلٌ لأحداثٍ وأفكارٍ وأحلامٍ . وهي صيْرورة كذلك فهي تذكرنا أن النهاية آتية لا محالة.
وهي قوانين, و دون أن نعِي ذلك, نحن نعيشها إما لتطبيقها أو لنثور عليها .وبين الالتزام والتمرد,الرضوخ والثورة ,تترسخ الحقيقة : حقيقة أن البشر نتاج هذه الثنائيات, فتجد المقاوم والراضخ, القائد والتابع, الوفي والخائن,العادل والظالم ... وتختلف وسائل وآليات تحقيق هذه الكَيْنونات كلٌّ وِفق قناعاته.
وقد لخّص الإمام والقاضي "الحسن البصري" قانون الحياة حين قال :"يا إبن آدم إنّما أنت أيام,إذا ذهب يومك ذهب بعضك ."
و يقول الذّكر المبين :
﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ فاسْألِ العادِّينَ﴾
وكأنّ هذه الحياة, بآمالها وآلامها, نُورها وظُلْمتها,عدْلها وظُلْمها ,حبّها وكرْهها, انتصاراتها وخيْباتها, ماهي إلا يوم أو بضْع يوم . فماذا فعل الإنسان فينا في هذا اليوم ؟

شارك المقال

ماذا تعرف عن "إنّما أنتَ أيام" شاركنا بها في التعليقات

الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..
لم تستطع أيّ دولة في الْعالم الْحدّ من الْعُنْف رغم تُرَسَانَة الْقوانين والْعقوبات الرّدْعيّة التي تعتمدها، والتي ...

عرض المزيد ...

الرجل الألي : تسلا بوت
ايلون ماسك رجل يتحدى كلّ شيء و أحيانا أشعر أنه جني المصباح في سلسلة "علاء الدين" فهو يحقق ما رأيناه...

عرض المزيد ...