أنا اللاجئ

قضايا المجتمع الأربعاء 28 أبريل 2021
أنا اللاجئ

كان يحيا حياة جميلة بسيطة, حلوة يسيرة تارة ومُرّة عسيرة طورا. له منزله الذي يسكن وعائلته التي يحتضن وعمله الذي يُعيل وصَحْبه الذي يَصْحب. وكان راضيا بذلك شاكرا الله على نعمه الكثيرة داعيا إياه حسن السيرة وحسن الختام. وفي نهاية اليوم, يجلس على طاولة الطعام ..
إنها الثامنة ليلا, كانوا مجتمعين حول طاولة الطعام ذات الروائح الشهية .الأطباق تُزين المائدة ومرصوصة بما لذَّ وطاب .وكان الأطفال يمرحون حولها حين أمرهم بالذهاب لغسل أيديهم والاستعداد لتناول الطعام. جلست كل العائلة حول المائدة مبتسمين ضاحكين. وكانت الأم تملأ لكل منهم طبقه أما هو فقد كان يردد دعاء ما قبل الأكل مع الأطفال .
كانت الضحكات تملأ أرجاء المنزل حين سقط الكأس من الطاولة..
– لا بأس أنه طعامك يا عزيزتي سأجمع قطع البلور المكسور قبل أن يؤذي أحدنا.
– احذر أن تجرحك بعض الشضايا يا عزيزي.
– لا تخافي سيكون كل شيء على ما يرام, لا تنزلوا من كراسيكم يا أطفال قبل أن أنهي جمع الزجاج حتى لا تتأذوا. – حسنا يا أبي .
تحركت الطاولة, وكل المنزل تحرك أثاثه, ماذا يحدث! سقطت الثريا التي كانت هدية صديقه المقرب بمناسبة زواجه والمزهرية البرونز التي اقتنتها في اليوم الماضي وملأتها بزهر الياسمين. وجهاز التلفاز وتساقطت بقية الصحون التي مازالت مليئة بالطعام.. ثم انبعث صوت قوي مهيب, كأنه صوت انفجار شيء ما . تعالى صياح الأطفال وصياح آخرين..
ضمّت الأم أطفالها إليها.تجمعوا تحت الطاولة, كانوا يبكون خائفين يرتعدون مما حصل . وبكت معهم هي, ثم التفتت تبحث عنه ,زوجها الذي كان يلملم قطع زجاج الكأس المتناثر..
لقد أمطرت الدار سهام حرب, ووسط الخراب دَوَت المدافع وعمَّ الأنين المكان. وأيّ مكان لم يعد المكان مكانا ولا الزمان زمانا !
حدث كل ذلك ومازالت تنتظره ليضمهم تحت الطاولة حتى تهدأ العاصفة,الزلزال الانفجار,الحرب,الكابوس أو أيا كان! هي لا تدري ماذا حدث بالضبط أو لِم أو كيف. مازالت تُوزع نظراتها -المُغْرَوْرِقَةِ بالدموع- تبحث عنه, تسترق النظر.. لم تَرَه أو رأته ربما.. لِم هو مستلق على الأرض بذلك الشكل ؟ هل هي طريقة لتجنب ضرر مثل هذه الحوادث ؟ لِم لَم يخبرهم بذلك ..نادته :
-- عزيزي..هل أنت بخير ؟ هيا اقترب منا أكثر حتى يهدأ الوضع, عزيزي لم لا تجيبني هيا هذا ليس وقت مزاح مازال علينا تنظيف وتنظيم المنزل ألا ترى ما فعل الخراب به ؟
لم يُجبها, لم تسمع سوى صدى صوتها وأنين أطفالها وأناس آخرون لم تعرفهم..
رائحة الوداع تملأ المكان, رائحة الموت,رائحة الفراق تفوح..
إنّ نار الحزن تُفقدني صوابي, لقد كانت نكبتي إذ دُكَّ بيتي. مدافع زلزلت أرض الخراب. فقدنا من يحيط البيت حبا وتُهنا وسط هالات الضباب. وتُهنا في الشوارع كالحيارى. وكان الدمع عونا للمصاب. إلى أن ضمنا عِكْرٌ حمانا, و هل تحمي الخيام من العذاب ؟ فيا رب البرية مرتجانا .. أغثنا من حماقات الذئاب.
في سوريا : أكثر من 15 مدينة تمَّ حصارها. نصف مليون إنسان تقريبا هُجِّروا وشُرِّدوا و..جاعوا. آلاف الناس منهم ماتوا جوعا.
حِمص, 70 % منها دُمر افترستها أيادي الحرب. حَلَب,65 % منها تلاشى وتهدَّم, مدينة من أقدم خمس مدن في العالم وخلال بضع سنوات,دُمرت,نُسف فيها أكثر من 300 أثر إنساني وحضاري . لم يبق منها سوى أنقاض ورائحة دم .
ما الحل ؟ أين المفر ؟ هجرة ؟
يضطر الآلاف من السوريين إلى عبور البحر آملين في حياة جديدة, سنين جديدة تعوضهم عما حدث, مضوا مُحمّلين بأحلام بسيطة : بيت دافئ وعمل يحفظ ماء وجوههم ويُجنبهم الفاقة .
إلا أنّ إحتمالية أن يبتلعهم البحر قبل أن يعانقوا هذا الحلم واردة بنسبة 40 % تقريبا فيتسائل أحدهم :
-- لِمَ يجازفون بأرواحهم وأرواح ذويهم ويغادرون أوطانهم ؟
-- هل مازال هناك وطن, الْتَفِتْ ,أنظر وراءك لن ترى سوى الأطلال :" قفا نبك على ذكرى حبيب ومنزل .." لقد فقدوا أحباءهم ومنازلهم و..الوطن أو هو فَقَدهم.. ربما.
في سوريا, تشير الدراسات التي أقيمت في السنوات القليلة الماضية, إبان الحرب, أن 500 ألف إنسان قُتلوا بسببها. و ستة ملايين منهم نزحوا في الداخل السوري وخمسة ملايين اضطروا للهجرة خارج سوريا إلى دول مختلفة كلبنان,النمسا,كندا وصربيا و دول أخرى.
أنا اللاجئ, لا يهم ما جنسيتي, وأيُّ وطن لَفَظني,أنا إنسان, ماتت عائلتي تحت الأنقاض,أنقاض منزلي,لم يعد لي منزل لكنني لم أستسلم رحلت آملا في غد أفضل .
و ها أنا أنتظره..

شارك المقال

ماذا تعرف عن "أنا اللاجئ" شاركنا بها في التعليقات

الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع
يقول المولى عز وجل تعبيرا على مدى أهمية الاسرة:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا ...

عرض المزيد ...

لا للعنصريّة : كُلُّنَا إنْسان
أبيض أسود,جنوبي شمالي,مسلم مسيحي,سني شيعي,عربي أعجمي ...إنها العنصرية! . إبليس أول عنصري عرفته الخليقة. حي ...

عرض المزيد ...