فلسطين ما هنت ولن تهني ابدا

قضايا المجتمع الأربعاء 12 مايو 2021
فلسطين ما هنت ولن تهني ابدا

- كيف حالك؟
- كفلسطين؟
- وما بال فلسطين؟
- فائقة الجمال، شديدة الحزن، منهكة جدا لكنها قوية جدا جدا...
- ماهذا التناقض؟
- انصحك بقراءة رواية "ايلان" للرائعة "سارة شوقي العقاري" وستفهم حالها
- من؟
- فلسطين، وربما تهتدي لتشخيص حالتي بعد ذلك
- وما علاقة فلسطين بحالتك، اذكرك انك في حوار مع طبيبك النفسي وارجو تبسيط الامور والتركيز اكثر على تفاصيل الحادثة لاتمكن من مساعدتك ...
- تقول "سارة شوقي العقاري" في روايتها "ايلان" :
"الحياة في غزة عجيبة... يمكنك ان تنام على جنازة، وان تستيقظ على زفاف... يمكنك ان تسمع زغرودة فلا تعلم هل انطلقت من والدة عروس ام من والدة شهيد... يمكنك ان تمشي في زفاف فيجمعك الطريق بعزاء، فلا يسعك الا ان تبارك للعروسين فالاول عريس والثاني شهيد، انها غزة تجمع كل شيء بضدّه، الموت والحياة، اليأس والاصرار، الحب والحرب .
ومع ذلك لا بد للحياة ان تستمر بالشكل الطبيعي لها، لا بد للشاب ان يتزوج، وللطالب ان يتخرج وللنسل ان يستمر..."
-بدأت ادرك مدى قلق عائلتك بشأن حالتك الآن و..
علت وجهها ابتسامة استهزاء :-عائلتي؟ هه، عائلتي خونة شأنهم شأن ذلك الطفل الذي نشأ في بيت احد رموز المقاومة الفلسطينية ولا يشب مخلصا له.. وهذا ببساطة لانه لا يحمل دماء فلسطينية بعروقه لان من يحملها لا يخلو قلبه من نخوة النضال ...
-او تحملينها انت في عروقك؟ على حد علمي انت من عائلة عربيّة غادرت فلسطين مع اشتداد الحرب و..
قاطعته قائلة : -لكن حبي لفلسطين في ثنايا القلب نشأت على حبها وترعرع تمجيدها في قلبي حتى ان رائحة شوارعها لاتزال تعلو انفي منذ ازل بعيد... دعك من عائلتي و حالتي فمجرد الحديث عن فلسطين يجعلني اشعر بتحسن
-وهذا هدفنا احساسك بالتحسن، ومادام الحديث في القضية الفلسطينية يجعلك تشعرين بالارتياح فليكن لك ذلك. لكنني لا افهم كيف لكلّ ذلك الدمار ان يشعرك بالراحة، ما كل هذا السواد لفتاة رقيقة مثلك؟
-سواد ودمار، اهذا ما تراه؟ الشعب الفلسطيني يرفع راية الهمة، راية الوطنية والشرف، شعب يبث الامل من قلب الدمار. ان كان للارادة والعزيمة عنوان فعنوانها فلسطين ... -تكدر حالها بعد ذلك الحماس المؤقت فتنهدت وواصلت قائلة- فسلام على ارض خلقت للسلام ومارأت يوما سلاما... لكنها ستراه يوما انا اثق بذلك.

هذا ما انهت به حديثها بعد ان علت وجهها ابتسامة هادئة.تعجب طبيبها لحالها ليس لمدى تقلب مشاعرها ما بين حزن وفرح، حماس وصمت مريب.. فهو طبيب بخبرة سنوات عديدة امضى حياته متنقلا بين الدول وزاول حالات اشد تعقيدا لكن ما اثار دهشته حقا هو تعلقها بالقضية الفلسطينية. حتى ولو عاشت في ذلك البلد ونشأت فيه هي بالاخير ليست اصيلته والولاء الطبيعي في قلب كل انسان لبلده الام مع بعض التعاطف في الحالات الانسانية النادرة لدول العالم الاخرى... تفكير منطقي من شخص يسيطر المنطق على فكره وحياته فهو طبيب بالنهاية لكنه لا يدرك قيمة فلسطين في قلوب العرب ...
رغم ان الامر ليس من اولى اهتماماته لكنه قرّر مواصلة الحديث معها عن فلسطين ربما يهتدي لفك هذه العقدة الانيقة قبالته. فواصل قائلا:
-هل لديك علم بما يحدث بالقدس اليوم، هل تعلمين ان وضع الاسر في حي الشيخ جراح مُزرٍ وانهم مهددون بالطرد من بيوتهم، حتى انه صدر حكم المحكمة في هذا الشأن ؟
- لا، ليس لي علم بذلك، لكني اعلم انهم شعب الارادة والاصرار فلا اخشى عليهم من حكم جائر حتى انني اؤمن بانتصارهم على جحافل الظلم وعتوّ الباطل عاجلا ام آجلا.

حكم جائر من محاكم الدنيا اعطى الاسرائليين الحق في تشريد عائلات فلسطينية واخراجهم من منازلهم في الشيخ جراح بالقدس الشرقية استنادا على حجج واهية ان عائلات يهودية كانت تعيش هناك قبل حرب 1948... اذا كانت مستناداتهم تعود الى 73 سنة مضت فأحقيّة المسلمون بالقدس موغلة في الزمن قدم التاريخ نفسه فالمسجد الاقصى في فلسطين هو اول مكان في التاريخ اتخذه المسلمون كقبلة لهم في كل صلواتهم اليومية قبل الكعبة المشرفة ولهذا يسمى باولى القبلتين وذو اهمية فائقة في حضارة الاسلام حيث يعتبر الاقصى من اقدم الهياكل المعمارية على الارض وفقا لاجماع المؤرخين فلن يعزّ على قاضي السموات والارض نصرهم في رمشة عين.

-القضية الفلسطينية معقدة ولا استطيع القول من الأحق بأرضها لكني طبعا لست موافقا على ما يتعرض له ابناءها من عنف، استمتعت بمحادثتك و يبدو ان نقاشاتنا حول فلسطين ستطول في الحصص القادمة لان حصتنا لليوم انتهت سيدتي وربما تصفين لي الحياة فيها قبل الحرب ومن اجدر ممن ترعرع فيها ليوصل لي الصورة الحقيقية للحياة هناك قبيل الحرب...
صافحته مودعة بابتسامة تعلو وجهها قائلة:
-سيطول الحديث عن الحبيبة فلسطين وقضيتها الجليلة لكنني اعدك بوصفها باعين القلب فأنا لم أزرها يوما، ربما اتشرف بذلك بعد نهاية الحرب ان شاء الله.
همت بالخروج لكنه استوقفها بدهشة :
-ماذا؟ لم تزوريها يوما، الم تكبري على حبها وتحملين عطرها في قلبك..؟
ضحكت قائلة:
-انتهت حصتنا لليوم يا بني وكما ترى لا اقوى على الوقوف طويلا لاشرح لك الامر والشرح يطول ليس حديث وداع، فالعرب جميعا بدون استثناء نشؤوا على حب فلسطين وتمجيد قضيتها، وحالي حال القضية الفلسطينية وحالك حال حكام العرب واجتماعات الجامعة العربية.
-كيف ذلك اساسا انا اجنبي وانت تعلمين ومع ذلك حاولت جاهدا الاصغاء لقضية عربية بحتة.
-حالي حال القضية الفلسطينية عجوز مرهقة من شرح نفسها للعالم لكنها تحمل اصرار العواجيز في تكرارهم الامور وحالك حال العرب تعطي الامر اهمية مؤقتة مستعجلة في نهاية الحوار اما كونك اجنبي لابأس في ذلك يا بني فهي قضية رأي عام ورأيك مهم شأنه شأن البقية.... لن تكفينا الحصص للحديث عن هذه القضية فهي قضية شرف وهوية، وداعا.

رحلت وتركته في حيرة من امره، كيف لعشرينية بجمالها ان تنعت نفسها بالعجوز ومن اين لها هذه الفلسفة حتى تتمكن من ايهامه بتمضية حياتها في فلسطين... ربما يستطيع استدراك الامر في الحصص القادمة ههه وكأنها الطبيب وهو الحالة هذا ما تبادر الى ذهنه، مدهشة فلسطين هذه (فلسطين اسم الفتاة).

وكذلك فلسطيننا لا تكف عن ادهاشنا وابهارنا بقوتها واصرارها، جمالها وببريقها الوهاج من وسط الدمار.
...ولتكن خاتمة هذا المقال تضرعا و دعاء لله سبحانه وتعالى بالنصر لنساء، اطفال ورجال فلسطين. اللهم احفظهم بعينك التي لا تنام وانصرهم بعدلك الذي لا يضام. اللهم انا نستودعك الاقصى ومرابطيه، اللهم اعز طائفة في الارض لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي امرك يا رب العالمين.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "فلسطين ما هنت ولن تهني ابدا" شاركنا بها في التعليقات

الْعُنْف : كُلُّنَا ضَحَايَا..
لم تستطع أيّ دولة في الْعالم الْحدّ من الْعُنْف رغم تُرَسَانَة الْقوانين والْعقوبات الرّدْعيّة التي تعتمدها، والتي ...

عرض المزيد ...

الاسرة المسلمة نحو النهوض بالمجتمع
يقول المولى عز وجل تعبيرا على مدى أهمية الاسرة:﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا ...

عرض المزيد ...