التاريخ: بين الحقيقة والزّيْف

الأربعاء 26 مايو 2021 394 تاريخ
التاريخ: بين الحقيقة والزّيْف

"إنّ فنّ علم التأريخ فن عزيز المذهب,عديد الفوائد,شريف الأهداف. من خلاله يقع التعرف على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم, والأنبياء في سِيَرهم, والملوك في دُوَلهم وسياساتهم" , كما جاء في ذكر العلامة ابن خلدون: "وإنّ الإمعان في هذه السِّيَر والأخبار لمفيد وضروري لأنها درس في اكتناه أحوال الدين والدنيا يُقتدى به".
والتأريخ مهمّ ومحمود حين يتّخذ السُبل الصحيحة والأدوات العلميّة القائمة على حسن النظر والتثبت. واللذان يفضيان ضرورة إلى الحقيقة. ويُتَجَنَب بهما كل المزلات والمغالط. لأن الأخبار إذا ما اعتُمِدَ فيها مجرد النقل دون تحقق وتثبت ونظر في أصول العادة وقواعد السياسة السائدة وطبيعة العمران والأحوال الاجتماعية تَشَوه التاريخ وتعكر ماضي الأمم ومن ثم حاضرها ومستقبلها. لذلك لزم في نقل الأخبار الأخذ بعين الاعتبار ما غاب من الأحداث ومضى وما حدث منها وتجدد.

والتأريخ نقل للخبر. وللنقل أخلاقيات وأصول أساسها الأول الحرص على نقل الوقائع والحوادث كما هي دون تحوير ولا تحريف. لأن هذه الأخبار قامت عليها دول وتأسست عليها منظومات ثقافية وحضارية كاملة. والزلل في نقلها غير مقبول ولا مستحب. وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل في المغالط حين نقلوا الحكايات والوقائع لأنهم اعتمدوا على مجرد النقل دون عرضها على أصولها ولم يقيسوها بأشباهها ولا احتكموا في طبائع الكائنات ولم يُحكّموا النظر والبصيرة في الأخبار. وهذا عين الضلالة عن الحقيقة, وهذا محض الوهم وتمام الغلط.

والتأريخ- كما سبق الذكر- هو خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم. أخذا بعين الاعتبار كل ما يتعلق بهذا العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات والطبائع وأصناف البشر ورؤاهم وتمظهراتهم وما ينتج عن ذلك من السياسات والمُلك والدوَل ومراتبها وكل ما يسلكه البشر بأعمالهم ومساعيهم من أجل الكسب وضمان المعاش ونَهْل العلوم والصنائع والأخذ من كل ما يسبح في فلك العمران من أحوال. ووجب في التأريخ الاعتدال والحياد, فإنّ الكذب متَطَرّف بالخبر, وله أسباب تقتضيه كالتّشَيّع بالآراء والمذاهب ومَيْل لهذا دون ذاك. فإن كانت النفس على حال من الاعتدال في قبول الخبر, أعطته حقه في التمحيص والتثبت والنظر حتى يتبيّن صدقه من كذبه. أما إذا حادت عن تمحيص الخبر وإن خامرها تشيّع رأي أو نحلة, كان قبولها للخبر سريعا دون التثبت فيه. فيُنشر الخبر ويُنقل عبر الزمان والمكان والظروف فيكون سببا في تزييف الماضي والتاريخ.

وبما أنّ التأريخ من عمل البشر, والتاريخ هو أخبار وأحداث البشر وأفكارهم وأموالهم وحروبهم وسلمهم وكل متعلقاتهم. فإنّ هذا التاريخ وجب اجتماعا بشريا بالضرورة. ويعبّر الحكماء عن الاجتماع الإنساني بقولهم الإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع المتمثل في المدينة. وهو معنى العمران, بيانه أنّ الله سبحانه خلق الإنسان وركّبه على صورة لا تصح إلا بالغذاء الذي يضمن بقاءه. وهداه إلى سبل التِماس مواطن هذا الغذاء وتحصيل موارده وبذل الجهد من أجل ضمانه وتوفيره. وإن كان المطلوب قوت يوم من الحنطة فإن على الإنسان أن يحصل عليه بعلاج كثير من الطحن والعجن والطبخ ويحتاج مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات محددة كالحدادة والنجارة والزراعة والتجارة. هذا فقط من أجل تأمين قوت اليوم. فما بالك بشتى الأعمال الأخرى التي تشكل أسّا من أسس الإجتماع البشري.

و كل هذه الأمور من كسب القوت إلى المسكن والترحال والتجمع, يتطلب اجتماع الأفراد والتكاتف من أجل تلبية احتياجاتهم. إذ لا يمكن أن ينجح الفرد الواحد في أن يؤسس مجتمعا وإن كان مصغرا وبدائيا. بل يحتاج أفرادا آخرين من جنسه حتى يتمكن من تأمين إحتياجاته النفسية و المادية. ومن أعظم سنن خلق الله أن خلق الإنسان على خلق كريم و صممه بشكل عجيب يليق بالخالق والمخلوق على حد السواء. حيث جعل للإنسان فكرا و يدا. فاليد مفيدة للمصانع بخدمة الفكر والتواصل والتعاون بين بني البشر ضروري لضمان النوع البشري وإستمراره أمام أهوال الحياة وهذا هو معنى العمران.

شارك المقال

رأيك يستحقّ أن يسمعه الأخرون ... أترك تعليقك ليعرف العالم من أنت
فلسطين: حكاية وطن
سنة 1896 نشر الصحفي المجري 'ثيودور هرتزل' كتابا بعنوان " الدولة اليهودية ", والذي كان البذرة الـأولى للنوايا ...

عرض المزيد ...

من أجل عيون تونس الخضراء
نظام الانتداب، نظام الوصاية أو فرض الحماية... كلها مصطلحات منمقة التعاريف والمفاهيم لكن مهما زينت وبهرجت ...

عرض المزيد ...