الأمّ : جنة الله في الارض

أراء الاثنين 31 مايو 2021
الأمّ : جنة الله في الارض

توقفت سيارة الاجرة، مرت وهلة و الباب لم يُفتح استفاقت من شرودها على صوت السائق الذي يبدو ان منادته تلك لم تكن الاولى، اعتذرت ونزلت تاركة الباقي من اجله، لا يهم..
تنظر الى لافتة المؤسسة بحرقة، تمسك حقيبة تبدو من الطراز الفاخر في يدها، شدت عن حقيبتها بقوة محاولة كبح دموعها وهمت بالدخول، توقفت ثانية، ماذا عن استئجار منزل وممرضة؟
اطرقت برأسها طاردة للفكرة فهي لا تريد قضاء ايامها الاخيرة وحيدة، اصلا عاد سيناريو البارحة الى مخيلتها من الحوار السري الذي دار بين ابناءها و توبيخ زوجة ابنها لها الى الشجار الذي ايقظها من غفوتها بين ابنها وزوجته، لا مجال للتراجع الآن.

نظرت الى اليافتة مرة اخيرة و همت بالدخول الى دار العجزة والمسنين ضحكت ساخرة او دار اللواتي لم تنجبن رجالا مثلي. زينت ثغرها ابتسامة غريبة ربما سخرية القدر و واصلت المسير باتجاه الادارة
القت التحية و جلست في كراسي الانتظار اقبلت المديرة وعزمتها للدخول الى غرفة المكتب لكنها رفضت بابتسامة:- شكرا لك فانا اليوم لست بضيفة ولم آتي للتبرع
-العفو سيدتي ما الذي تقولينه تقضلي معي
-لابأس افضل ان اقوم باجراءات الدخول بسرعة فأنا حقا متعبة
-دخول؟ اتريدين مقابلة احد الاطفال او النساء اللواتي اعتدت مقابلتهن
-لا، لقد اتيت اليوم لاصبح واحدة منهن، اتيت للعيش معهن لا احد سيحس بلوعتي غيرهن..

-الاسم؟
-«...» تلعثمت فقد اعتادت على ام الدكتور احمد لشدة اعتزازها به
-السن؟
-سنوات عديدة من التضحية
-هل من امراض مزمنة؟
-سكري و القلب و..
-هل من مرض اخر او ملاحظة تريدين مني تدوينها سيدتي؟
-سرطان في المرحلة الاخيرة استفحل في اعضاء عديدة، الملاحظة لا تخبري احد منهم بقدومي و لا مرضي رجاء

...تدخل المعلمة إلى القسم وإبتسامة رقيقة تعلو محياها تلقي تحية الصباح على الأطفال بود فيجيبونها بحماس -يعلمون مسبقاً أن هذا اليوم ليس للدراسة بل للورشة الصغيرة بالمؤسسة كما وعدتهم- يرافقونها إلى الورشة وتنغمس معهم في إبتكار بطاقات معايدة وأزهار ورقية بسيطة من أجل الغد، انهت الحصة بإبتسامة لطيفة رغم ما تحس به من تحسر والم، أوصت أطفالها بمعانقة أمهاتهم وتقبيلهن وتقديم ما قاموا بصنعه وتهنأتهن بعيد الامهات ودعتهم وهمت بالرحيل ليستوقفها صوت رقيق "كل عام وانتي بخير ماما" ليهتف الأطفال بصوت واحد "كل عام وانتي بالف خير معلمتي".

انهمرت دموعها ليتقدم الاطفال نحوها بهدايا صغيرة وعناق جماعي من أجلها، شكرت الله سبحانه وتعالى الذي ألقى حبها في قلوب هؤلاء الأطفال الأنقياء بعد ما كان يجول في خاطرها منذ ساعة وكلام طبيبها في الموعد الأخير بانها لن تستطيع الإنجاب..

توقف أمام بائعة الورد لتسأله ما المناسبة فيجيب عيد الامهات "كل عام وأنت بألف خير فأنت أيضا أم على ما أعتقد" قام بإقتناء باقة جميلة وكان يردد بصوت مسموع نسيت التوليب فقد كانت تحبه، لتقول العجوز بحسرة محظوظة بك اظن أن أطفالي قد نسوا وجودي أصلاً
قدم لها النقود ومشى خطوتين وعاد إليها مد لها الباقة قائلاً :-كل عام وانتي أجمل وردة أمي
شكرته وحاولت الرفض لكنه قاطعها قائلاً :- لا عليك فالحي أولى من الميت سأكتفي بهذه الوردة فقد كانت تحب هذا الصنف كثيراً، لكن هل لي بعناق أم؟
فكان عناقا حارا عناق إبن فقد والدته منذ زمن ولهفة أم شاءت الأقدار أن ينفرها ابنائها

في الضفة السعيدة من الحياة تقف شابة أمام والدتها حاملة هدية وتقوم بتهنئتها وتمسك بيدها تجرها خلفها نحو الغرفة تطلب منها فتح الهدية إذ بها فستان أنيق ترتديه لتجربه فتطلب منها الإستعداد لتمضية اليوم سوياً علها بذلك تعوضها قليلاً عن ما قدمته من أجلها.

.... يصادف اليوم أخر يوم احد من شهر ماي ويوافق هذا اليوم عيد الام في كل من تونس والجزائر والمغرب في حين تحتفل جلّ الدول العربية بعيد الأم في 21 مارس/آذار من كل عام، فكل عام وجميع الامهات بألف خير كل عام وهنّ جنة الله في الأرض.

في ما سبق مشاهد مختلفة من هذا اليوم عادة ما يسدل عنها الستار وتسلط الأضواء على جانب إلكتروني بحت بطاقات معايدة وإهداء للأغاني وغيرها من تلك التقاليد التي من حق الجميع طبعاً لكن رجاءً رفقاً بمن حولنا من أمهات مشردة وأمهات في دير للمسنين والعجزة وأطفال توارت أمهاتهن تحت التراب ...

أوجه تهنأتي لكل أمهات العالم بهذه المناسبة أدامكن الله سندا لنا ورحمة الله على كل أم فارقت الحياة..
سأستغل هذا المقال لتمرير رسالة لكل من تخلى عن والدته "مهما كانت الظروف لا تنسى أنها حملتك لتسعة أشهر وتعرضت لآلام المخاض التي تعادل كسر 42 عظمة وهو ثاني أشد ألم بعد الحرق حيا وأرضعتك لحولين وأخذت من قوة جسدها وفكرها الكثير وقائمة التضحيات تطول ويستحيل حصرها في بحر من الكلمات".
اكرر ثانية كل عام وامهاتنا جمال الحياة ورونقها ادام الله العافية والصحة على الاحياء منهن واطال عمرهن بالخير وتغمد الله برحمته الواسعة من توفت منهن واسكنها فسيح جناته..ولابأس بحفلة صغيرة في كل دار للمسنين فجبر الخواطر عبادة.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "الأمّ : جنة الله في الارض" شاركنا بها في التعليقات

"اللغة" بين شبح الموت وإرادة الحياة
دائما ما تتعرّض الأمم في تاريخها الواسع لجملة من التحدّيات، وكل تحدٍّ من تلك التحديات يختلف عادة عن سابقيه في ...

عرض المزيد ...

انا تلك التي
...التي، حين تقرأ العنوان سيأخذك فكرك إلى تلك وتلك و تلك... و سيأخذني فكري الى الأنا خاصتي التي لا يشب ...

عرض المزيد ...