التّصوّف هل هو سلوك إسلامي؟

بحوث الخميس 17 يونيو 2021
التّصوّف هل هو سلوك إسلامي؟

إن التصوف نزعة من النزعات, فكرة, سرعان ما تتحول إلى ممارسات. وهو ليس فرقة مستقلة. أي لا يمكن أن ننظر إليها كما ننظر إلى المعتزلة مثلا أو الشيعة أو السّنة. لأن ما ذكرنا فرقة لها أفكارها ومبادئها وبنودها القائمة وتستوجب أنصارا وأفرادا يؤمنون بها. بينما التصوّف يمكن أن يكون سلوكا فرديا لا يحتاج تجمعا حتى يحافظ على وجوده. ولذلك يصح للشخص أن يكون معتزليا صوفيا أو سنيا صوفيا أو شيعيا صوفيا. بل يمكن أن يكون نصرانيا صوفيا أو بوذيا صوفيا من حيث المبدأ وأما الفروقات فحاصلة.

وقد اختلف الناس في معنى التصوّف فمنهم من اعتبره من "الصّفّة" أو الصفاء والنقاء ومنهم من أقرّ بأنه من الصوف -وهذا وارد بالغلبة- لأن المتصوف كان يلبس الصوف اخشيشانا وزهدا في ملاذ الحياة وجمال الثياب والمواد وألوانها.

أما من اعتبر أنّ منبع التصوف هو الإسلام, فهذا لا يجانب الحقيقة في شيء لأن أولى أركان التصوف هي الزهد وحب الله حبا خالصا لا تشوبه شائبة من شوائب الدنيا. وهذا يتطابق مع مبادئ الإسلام كحب الله وبذل الجهد في مرضاته والنهي عن الإغراق في الملذات خشية اقتراف الذنوب والمعاصي.
ورجال كُثُر في أوّل الإسلام عُرفوا بالزهد 'كرجال الصفة' و 'أبي ذر الغفاري' و'الحسن البصري' وغيرهم.

والتصوف-كما عرفه ابن خلدون-حيث قال " :هو العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه. والإنفراد عن الخلق في الخلوة للعبادة, وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا, اختص المقبلون على العبادة بإسم الصوفية.." ثم قال:"ثم لها آداب مخصوصة واصطلاحات من ألفاظ تدور بينهم.."

والتصوف يعتمد على الذوق والمواجيد أكثر من المنطق, والعقل في نظرهم عاجز عن اكتناه كل الحقيقة لذلك هم يتعلقون بالله تعلقا مميزا عن طريق عباداتهم. يقول 'رويم الغدادي':" التصوف مبني على خصال: التمسك بالفقر والافتقار,والتحقق بالبذل,وترك الغرض والاختيار."
وقال 'الكرخي':"التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق"
وقال 'الجنيد': "أن تكون مع الله بلا علاقة" وقال 'ذو النون':" أن لا تملك شيئا, ولا يملكك شيء" وقيل 'للحصري': من هو الصوفي عندك؟ فقال:" الذي لا تُقله الأرض ولا تُظله السماء"

وعند نشوء التصوف في القرن الثاني, لم تكن هناك جماعات أو مجالس خاصة تجمع المتصوفة ولا أمكنة خاصة يؤدون فيها شعائرهم بل كانوا أفرادا متفرقين, قد يكون للبعض منهم تلاميذ. وقد كان كثير منهم يرتحل ليختلي بنفسه ويتلو القرآن ويذكر الله في سره وجهره. ونتخذ 'أبا يزيد البسطامي' مثالا فقد كان يكثر من الكلام في الاتصال بالله والتفكير فيه, وأسس لفكرة أصبحت فيما بعد ركنا من أركان الصوفية وهي فكرة الفناء في الله.


وتطورت الصوفية عبر القرون, فهي اليوم ليست كما كانت في أول ظهورها وهذا بديهي نظرا لأخذها عن علوم عديدة وحقول متنوعة وملامستها لشتى ضروب الإنسانيات: علوم النفس والاجتماع والفلسفة.. وكذلك العلوم الدينية. ويفسر المستشرقون هذا التطور في الصوفية منذ نشوئها وحتى سنين متأخرة بكثرة اتصال الصوفية بأهل الديانات الأخرى. وفي الحقيقة, إن تطور التصوف طبيعي لأنه في تكوينه منفتح على كل آخر هذا أولا ولأنه بدأ بداية كسلوك فردي فكان "زهدا إسلاميا" كالذي كان عند أهل الصّفة ثم تنامى ليصبح "زهدا مفلسفا" كالذي عند الحسن البصري مثلا.

وإجمالا, لم ينكر أحد أن' إبراهيم بن الأدهم' و 'داود الطائي' و'الفضيل بن عياض' وشقيق البلخي والذين توفوا في القرن الثاني للهجرة كانوا صوفية إسلاميون. لكن التصوف تفلسف في القرن الثالث مع 'الكرخي' ووصفه بأنه كان رجلا قد غلبه الشوق إلى الله.
ويتعمق التصوف أكثر في القرون الموالية ويتخذ أبعادا مختلفة حتى أنك تتساءل كيف تضع له تعريفا ثابتا ووصفا شافيا. فهو يتجلى حالة بين الشعور واللاشعور, فلا أنت تفهم ولا الآخر بكل تفاصيله واختلافاته, يفهم.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "التّصوّف هل هو سلوك إسلامي؟" شاركنا بها في التعليقات

مملكة النباتات: التداوي بلا دواء
يشهد العالم، منذ بضع سنوات حدثا ملفتا يتمثل في الاهتمام المستجد والمتزايد بالنباتات الطبية، الامر الذ ...

عرض المزيد ...

النوم : ترياق العقل والجسد
يقول الاستاذ يوسف زيدان :"النوم هبة الهية لولاها لاجتاح العالم الجنون". يوجد من انصار هذه الفكرة الت ...

عرض المزيد ...