الحشّاشون قتلة ام متدينون؟

الثلاثاء 29 يونيو 2021 236 تاريخ
الحشّاشون قتلة ام متدينون؟

إنّ جلّ الصراعات التي حدثت على مرّ التاريخ هي صراعات فكريّة تتراكم و تتحول إلى صراعات دمويّة تزهق الأرواح خاصّة إن كانت هذه الإختلافات حول السلطة و ما ادراك ما السلطة.

السلطة الى يومنا هذا هي محلّ خلاف ونزاع بين القادة فكلّ يرى أحقيته بالسلطة لكن المجتمعات الان اصبحت اكثر تحضرا و نضجا، فالديمقراطيّة و الإنتخابات رغم انها ليست مفاهيم حديثة، قللت من النزاعات على السلطة حيث جعلت من الشعوب تختار قادتها بنفسها .
في زمن ليس ببعيد كان النزاع على السلطة يؤدي إلى انشقاقات في صفوف القادة الى ان يصل الى مجازر و معارك دامية من أجل فرض الآراء بالقوّة و افتكاك السلطة و النفوذ.

سنعود بالزمن قليلا إلى الدولة الفاطميّة في القرن الحادي عشر و هي احدى دول الخلافة الإسلاميّة حيث كانت هذه الدولة على مذهب الشيعة الإسماعيلية الاثنا عشريّة و هي الطائفة الشيعية الأكبر من حيث العدد لنشير إلى انّ الدولة الفاطميّة كانت في حالة ضعف في تلك الحقبة و الناتج عن ضعف الدول هي الانشقاقات و هذه المرّة من انشق هو "الحسن الصبّاح" أو كما عرف باسم "شيخ الجبل".

قام الصباح بسلك مذهب جديد و هو الإسماعيلية النزاريّة وقام بتأسيس الحشاشون أو الفدائيين و هي طائفة دينيّة إسلامية بثت الرعب في منطقة بلاد فارس والشام خلال تلك الفترة.

إنطلق تأسيس الطائفة الإسلامية الأخطر على مرّ التاريخ من خلال قلعة اختارها المؤسس "الحسن الصبّاح" لتكون الحصن المنيع للطائفة وهي قلعة "ألموت" و لم يكن الاختيار بصفة عشوئيّة حيث اتسمت القلعة بكونها في منطقة جبليّة صخريّة وعرة تطّل على واد سحيق يقود إليها طريق وحيد ضيّق و شديد الإنحدار و قد استولى عليها "الصبّاح" من مالكها بعد أن دفع له أكثر من 3000 قطعة ذهبية .

بعد الاستيلاء على القلعة وجب الآن بسط النفوذ المذهب الجديد و المنطق الوحيد حينها كان تصفية الخصوم بالنسبة للحسن الصبّاح و هذه التوجه الحربي أوجب على المؤسس الحصول على فدائيين أو أشخاص يقومون بعمليات تصفية الخصوم دون تردد أو خوف و هنا تأتي الميزة الثانية في قلعة "ألموت" و هي الحديقة أو الجنّة كما سميت هذه الحديقة و هي حديقة مليئة بأشجار الفاكهة و الجداول تفيض عسلا و ماءا كما أنها تحتوي على حسنوات يبرعن في الغناء و الرقص وعزف الموسيقى حيث كانت خطّة الصبّاح ترتكز على الحديقة حيث أنه يوهم اتباعه بانها الجنّة من خلال تخديرهم و إرسالهم إلى الحديقة ليرو كلّ ذلك و ينبهروا بسحر الحديقة و يشبعوا رغباتهم ثمّ يخدّرهم و يخرجهم من الحديقة و يكون شرط العودة إليها تصفية الأعداء والقضاء عليهم.

لذلك كانت أغلب مهام الحشاشون إغتيالات مركزة و منظمة تستهدف أشخاص مرموقين في صفوف الأعداد عوض المواجهات التقليديّة المباشرة التي تزهق العديد من الأرواح من جهتي الصراع, و غالبا كانت تكلل هذه المهام بالنجاح لذلك نجح الحشاشون في نشر المذهب الإسماعيلي النزاري كما أنهم فرضوا سيطرتهم على قلاع أخرى عدا قلعة "ألموت" و قد أرعبت هذه الطريقة في الحرب كلّ من عاصر تلك الطائفة تاريخيا خاصّة أعدائها من الدولة الفاطميّة و دولة السلاجقة.

طالت أيادي الحشاشون أو الملاحدة كما سميت هذه الطائفة عند بعض أعدائهم العديد من الزعماء و القادة فبين إغتيالات ناجحة و أخرى باءت بالفشل تمثلت أبرزها في إغتيال ملك بيت المقدس "كونراد من مونفيراتو" كما عرفوا بعدائهم لصلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبيّة و ايضا الشخص الذي قضى على الدولة الفاطميّة حيث انتهى هذا العداء بعد محاولتين فاشلتين لاغتياله.

عرفت طائفة الحشاشون فترتين زمنيتين و هما في زمن سنان و بعده و سنان هو تسمية اخرى لشيخ الجبل أو "حسن الصبّاح" حيث لم ينتهي الحشاشون مع شيخ الجبل بل استمرت عقيدتهم و نفوذهم و اغتيالاتهم حتى بعد موت شيخ الجبل كما تلقو يد العون من الصديق الجديد وهم خلفاء صلاح الدين من الأيوبيين ثمّ تبدأ دولة الحشاشين بالإندثار في أواخر القرن الثاني عشر لتضمحل و تسلب الدولة من كلّ قلاعها تقريبا سنة 1273 ميلادي مع بسط سيطرة دولة المماليك على الشام لتنتهي بذلك قصّة الفدائيين الأوائل أو الحشاشون.

شارك المقال

رأيك يستحقّ أن يسمعه الأخرون ... أترك تعليقك ليعرف العالم من أنت
فلسطين: حكاية وطن
سنة 1896 نشر الصحفي المجري 'ثيودور هرتزل' كتابا بعنوان " الدولة اليهودية ", والذي كان البذرة الـأولى للنوايا ...

عرض المزيد ...

من أجل عيون تونس الخضراء
نظام الانتداب، نظام الوصاية أو فرض الحماية... كلها مصطلحات منمقة التعاريف والمفاهيم لكن مهما زينت وبهرجت ...

عرض المزيد ...