كوفيد 19 وباء القرن

الاثنين 12 يوليو 2021 198 علوم
كوفيد 19 وباء القرن

كائن لا يُرى بالعين المُجردة, قَلب العالَم رأسا على عقب. كل البشر سواسية أمامه لا فرق بينهم يُصيبهم متى توفرت له الشروط. سريع الانتشار مُتجاوز للزمان والمكان. كل الأنظمة والسياسات لا تعني له شيئا. خلال فترة قصيرة استطاع إجبار أبرز قيادات ودُول العالم على اتخاذ قرارات مصيرية لم يكن من المتوقع اتخاذها لولاه.
تعليق الرحلات الجوية بين دول العالم, وقف رحلات العمرة والحج, غلق المساجد وغيرها من دور العبادة في شتى أنحاء العالم, إقرار حظر الجولان انطلاقا من ساعات محددة. إلى أن وصل الأمر إلى إقرار حجر صحي شامل لفترات طويلة نسبيا مما يعني وقف تام لكل المجالات الحيوية مما تسبب في العديد من المشاكل الاقتصادية للمؤسسات والشركات وأفلس الكثير منها. كما فقدت فئة كبيرة من متوسطي الحال وظائفها التي هي بالأساس متواضعة. وبهذا تردت الأوضاع الاجتماعية واشتدت الفاقة وتعالت الأصوات التي ضاقت ذرعا من رائحة العجز التي ملأت المكان.
إنه العام 2019, لقد ساء الوضع كثيرا, كوفيد 19 أو فيروس كورونا , الفتاك بلا منازع.
ينتمي فيروس كورونا إلى عائلة كبيرة من الفيروسات تسمى الكورونا. وتضم هذه العائلة أنواع كثيرة من الفيروسات تعيش داخل أجسام مختلف الحيوانات كالخفافيش والخنازير وبعض أنواع الطيور البرية وغيرها. وفيروس كورونا لم يكن المتمرد الأول في عائلة آل كورونا. فمنذ أقل من 20 سنة يظهر فيروس SARS-CoV- 1
يعيش بسلام داخل أجسام الخفافيش وبعض أنواع الثدييات الصغيرة. إلى أن اقتحم كائن بشري ما ,الغابات والأدغال يصطاد هذه الكائنات, يبيعها في الأسواق يطبخها ويستهلكها. وفجأة يجد فيروس "سارس1" نفسه في بيئة غير البيئة التي عاش فيها وفي جسم غير الأجسام التي تعود البقاء والتكاثر فيها. نعم إنه جسم الإنسان.

وبما أن الفيروس كائن حي يعيش ويتعايش وعلى استعداد إلى خوض كل المعارك من أجل البقاء فإن انتشاره كان سريعا. وكانت البداية على يد طبيب كان قد عالج أولى الحالات المصابة بسارس1 الذي سافر من الصين إلى هونغ كونغ دون أن يكون على علم بإصابته وخالط أشخاصا من جنسيات مختلفة من المطار إلى الفندق إلى مختلف الأماكن التي زارها ليصل السارس في ظرف أسبوعين إلى 26 بلد وارتفعت نسب الوفيات بشكل مخيف. لكن مقارنة بالأحداث التي وقعت بعد ذلك فقد أجمع المختصون أن فيروس سارس لم يكن الأخطر خصوصا مع اتباع كل العمليات الوقائية والحجر الصحي ومحاولات الحد من انتقاله بين البشر. حتى توقف تسجيل أي إصابة جديدة أو حالة وفاة. لتمضي سنوات عشر لم تشهد فيها البشرية فيروسات خطيرة عدا فيروسات البرد المتعارف عليها.

حتى بلوغ العام 2012 حيث تظهر حالة التهاب رئوي شديدة على مزارع سعودي. والسبب, فيروس جديد من عائلة كورونا يسمى

MERS-CoV (Middle East Respiratory Syndrome coronavirus)

الذي اكشفه الطبيب المصري الذي كان يعمل في أحد المستشفيات السعودية في ذلك الوقت "علي محمد زكي". وبعد بحث, اكتُشِف أن فيروس "ميرس" كان يتنقل عبر مختلف الحيوانات والطيور التي سبق وذكرناها بطفرات مختلفة حتى وصل إلى بعض الجِمال العربية وبالتالي إلى الإنسان الذي يتعامل معها ويستهلك لحومها وسوائلها وألبانها. وهذه المرة كانت نسب الوفاة أعلى, حيث يفقد واحد من بين ثلاثة أشخاص مصابين, حياته. لكن الفيروس لم يكن سريع الانتشار أي أنه لم تُسَجل إصابات عن طريق الاختلاط بل إن معظم الإصابات كانت لأطباء وممرضين كانوا قد تعاملوا مع المرض والمرضى بشكل قريب. حتى أن 80٪ من الحالات بقيت داخل السعودية بالتالي المرض لم يكن له صيت عالمي كبير.
إلى حد بلوغنا نوفمبر 2019 حيث يظهر عدد من المصابين بالتهاب رئوي شديد في مدينة يوهان الصينية. نعم هاهو فرد جديد من آل كورونا يستعد للعب دور البطولة هذه المرة. إنه الكوفيد 19 .

والذي يقال أن الخفافيش نقلته إلى بعض الثدييات ككحيوان الpangolin والذي يصطاده البشر بأعداد كبيرة ويبيعها في الأسواق فيقع استهلاكها كغذاء. ليجد الفيروس الجديد نفسه داخل جسم بشري جديد لا ضيْر في العيش والاستقرار فيها. لتبدأ محنة إنسانية جديدة. أكثر اختلافا وأكثر خطورة. ففي أول شهر من ظهوره سبب حوالي 7000 حالة. حرفيا فيروس كوفيد 19 سبق إخوته (سارس و ميرس) بمراحل في عدد الإصابات والوفيات وسرعة الانتشار والعدوى.
لكنه مختلف, فهو يضمن بقاءه بالانتشار وبالحصول على مَواطن أجسام جديدة ليعيش ويتكاثر فيها. لذلك كلما تنقل الإنسان وتواصل مع غيره وهو حامل للفيروس كلما ضمن هو بقاءه واستمراره.
وبمقارنته ببقية الفيروسات, كالإنفلونزا مثلا الذي كان سريع الانتشار لكن نسب الوفيات كانت منخفضة. أما سارس و ميرس فقد كانت نسب الوفيات مرتفعة ومفزعة لكن نسب انتشارها بقي محدودا. أما كوفيد 19 فقد جمع بين الصفتين أو الخطورتين فهو سريع الانتشار ويخلف نسب وفيات مرتفعة. فالوضع متفاقم هذه المرة.
الحل هو وقف انتشار المرض. كيف ؟ بالحد من التنقل ومخالطة أقل عدد ممكن من الأشخاص والتقيد بكل سلوكات النظافة والالتزام بالحجر في حال الإصابة أو الشك في الإصابة, ارتداء الكمامة واستعمال المنظفات والمحافظة على مسافات الأمان بين الأشخاص والحد من التجمعات.
البشرية عاشت الكثير من المحن عبر السنين, في كل مرة نقول أنها النهاية. وفي كل مرة تولد من النهاية بداية جديدة. والبشرية ستتخطى هذه المحنة أيضا محنة كورونا , بأثقل الأضرار نعم بكثير من الخسائر نعم ولكن لابد للحياة أن تتواصل حتى يثبت الإنسان أنه خليفة الخالق على الأرض. إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

شارك المقال

رأيك يستحقّ أن يسمعه الأخرون ... أترك تعليقك ليعرف العالم من أنت
النجوم، من الحاضنة السديمية إلى الفناء
أبدع الله سبحانه وتعالى في خلق الكون وترتيب سيرورته وحركة مكوّناته بنظام مُحكم ودقّة عجيبة يقف الإدراك ال ...

عرض المزيد ...

لِمَ نَخَافُ التَّرْكَ: نظرية الألم الاجتماعي
لئن اختلف الأدباء والشعراء والرسّامون والفنّانون في طُرق تعبيرهم عن شعور الفقْد، لغة وصورة ولحْنا.. فإنّه ...

عرض المزيد ...