البتراء : المدينة الضائعة

معالم و حضارات الجمعة 29 يناير 2021
البتراء : المدينة الضائعة

من الوهلة الأولى التي ترى فيها المنطقة الواقعة جنوب العاصمة الأردنية عمان، يهيئ لك أنك في قلب الصحراء، وانه من المؤكد أنّ لا أحد يستطيع العيش في بيئة قاسية بهذا الشكل وسط الصخور والتضاريس الجبلية الوعرة. لكن في الحقيقة هذه المنطقة لم تكن فقط صالحة للعيش بل كانت من أهمّ المواقع على خريطة العالم. أهلها يعرفون جيّدا كنوزها وخباياها ومعهم تستطيع ان تكتشف المدينة الورديّة المفقودة وتتفاجأ بنفسك في حضرة مدينة مهولة، مبانيها منحوتة في الصخر، مساكن ومعابد واضرحة في قلب الصحراء، أنظمة مياه لا يقدر على تنفيذها سوى أمهر المهندسين في عصرنا الحديث، كل هذا وأكثر تم تنفيذه قبل أكثر من 2000 سنة، فأهلا بكم في مدينة البتراء.

البتراء مثال فريد لواحدة من أعرق الحضارات العربية وهي حضارة العرب الأنباط، التي تقع على بعد 260 كم جنوب العاصمة الأردنية عمان وتصل مساحتها الى 264 كم مربع وتشمل مجموعة من الكهوف والمعابد والاضرحة المحفورة يدويا من الاحجار الرملية الوردية الملتوية في قلب الصحراء وهذا كان السبب وراء تسميتها بالمدينة الوردية.

وقد تم تشييدها من اجل ان تكون عاصمة للمملكة النبطية في الفترة من القرن الرابع قبل الميلاد الى القرن الأول ميلادي. والانباط هم من سكنوا البتراء وبنوا فيها حضارتهم واسسوا فيها مملكتهم التي كانت واحدة من اقوى الأنظمة القائمة حينها. وهم قبائل عربية ثروتهم كبرت عن طريق التجارة وخاصة تجارة البخور، واتسعت حدود مملكتهم لتشمل أجزاء من شمال غرب الجزيرة العربية وصولا في الشمال الى دمشق وغربا لسيناء وجنوبا للبحر الأحمر وشرقا الى حدّ صحراء بلاد الشام.

والسبب الذي جعل الانباط يختارون هذه المدينة ليقيموا عاصمة لمملكتهم الواسعة بالرغم من ان هذه المنطقة قد تظهر للبعض لا تصلح للحياة ناهيك عن مدينة بأكملها، يكمن في ان الانباط كانوا يروا من التضاريس الجبلية الوعرة ونوعية الصخور المتواجدة في المنطقة مناسبة تماما لبناء العاصمة وستوفر لهم حصانة طبيعية ضد الغزاة وهذا خلاف انها موقع استراتيجي مميز.

موقع المدينة يضعها على بعد 250كم جنوب القدس وفي منتصف المسافة بين سوريا والبحر الأحمر. وجودهم في المنطقة لم يكن يقتصر على هذه المدينة فقط لكنهم عاشوا أيضا في وادي موسى.

كانت البتراء تتوسط حضارات العالم القديم حيث يحد مملكة الانباط العديد من الحضارات والممالك مثل الحضارة الفرعونية من الغرب وحضارة بلاد ما بين النهرين من الشرق وحضارة تدمر في الشمال. وقد كانت تمثل أكبر المراكز التجارية مما سمح للأنباط بتولي زمام الحركة التجارية على مستوى المنطقة بأكملها، اذ تمثل حلقة الوصل بين القوافل التجارية القادمة من البحر الأبيض المتوسط والبحار العربية من مصر الى سوريا وحتى بلاد الاغريق.

ما قدمه الانباط للحضارة البشرية وللتاريخ الإنساني لم يقتصر على نظام الحكم، على التجارة او على الزراعة والري بل لدى هذه الحضارة الكثير من العلوم التي تتعلق بالفيزياء، بالكيمياء، الطب، الهندسة المدنية، الهندسة المعمارية، التخطيط العسكري، الأنظمة المائية...

على الرغم من عظمة هذه المدينة الا ان موقعها ظل غير مكتشف للغرب طول الفترة العثمانية الى ان أعاد اكتشافها المستشرق السويسري يوهان لودفيك بركهارت سنة 1812 ميلادي لذلك أطلق عليها العديد من العلماء والمستشرقين اسم المدينة الضائعة لأنهم تأخروا في استكشافها.

لنصل لهذه المدينة يجب ان نمر عبر شق صخري هائل يصل ارتفاع جوانبه في بعض الاماكن الى 80 متر وأرضية من الحصى تمتد نحو 1200 متر يقطعها الزائر مشيا على الاقدام.

تحتوي مدينة البتراء على العديد من الأماكن التاريخية كالخزنة، أول معلم يواجه الزائر بعد دخول المدينة ويعتبر مبنى الخزنة المنحوتة في الصخر أشهر معالم البتراء واكثرها أهمية، تتكون واجهتها من طابقين بعرض 25 مترا وارتفاع 39 مترا، ويظهر التناظر الكبير في الواجهة بالإضافة الى المزيج بين الفنون المعمارية المصرية والهلنستية مع الطابع المعماري النبطي. الدير، يعتبر ايضا من المباني المهمة في منطقة البتراء، قصر البنت او قصر ابنة فرعون وهو عبارة عن معبد نبطي من القرن الأول قبل الميلاد، المحكمة او قبر الجرة، المعبد الكبير...

من المسلمات ان البتراء مدينة مبهرة فرضت نفسها على انظار العالم حجارتها ومبانيها تحكي عن مقدرة تبدو لنا اليوم خارقة وعصية على التفسير. هذا الإنجاز الإنساني هيمن على خيال الكثير من الباحثين والمستكشفين الذين حجوا الى البتراء على مر السنين والقرون حاول كل منهم ان يكون له السبق في شرح كيفية بناء الانباط لهذه المدينة الساحرة ونحتهم لمعالمها التي وضعتها على قائمة عجائب الدنيا، حيث أضيفت مدينة البتراء على لائحة التراث العالمي التابعة لليونيسكو في عام 1985 ميلادي لتكون بداية الانطلاق نحو العالمية لتتوج لا حقا كواحدة من عجائب الدنيا السبعة الجديدة في سنة 2007 ميلادي.

تتميز المدينة الوردية بهندستها المعمارية في قلب الصحراء حيث انها حافظت على مبانيها في مواجهة قسوة الطبيعة والزلازل التي شهدتها المدينة على مدار السنين إضافة الى ان الانباط ابتكروا نظام اعجازي لإدارة المياه وحولوا منطقة يستحيل العيش فيها الى منطقة حيوية قابلة للسكن بل قبلة للمهاجرين أيضا. نظرا لمكانة وتفرد مدينة البتراء بالعديد من المعالم الفريدة، أصبحت الوجهة السياحية الأولى للعديد من المشاهير وزعماء العالم، اذ تعتبر البتراء اليوم رمز الأردن الأول.

شارك المقال

ماذا تعرف عن "البتراء : المدينة الضائعة" شاركنا بها في التعليقات

النوم : ترياق العقل والجسد
يقول الاستاذ يوسف زيدان :"النوم هبة الهية لولاها لاجتاح العالم الجنون". يوجد من انصار هذه الفكرة الت ...

عرض المزيد ...

أعمال المعماريّة زها حديد
المعماريّة زها حديد ، اسم لامع في عالم التصميم و التطوير المعماري الحديث حيث تلامس أعمالها مخيلتك قبل..

عرض المزيد ...