بومبي المدينة الإيطاليّة المفقودة

معالم و حضارات الاثنين 16 أغسطس 2021
بومبي المدينة الإيطاليّة المفقودة

لعلّه طرق سمعك ذات مرّة حديث المدن المفقودة. ولعّل ذلك أثار في نفسك تشويقا  واستغرابا حول إمكانيّة  أن تُفقَد مدينة بكاملها؟ وكيف ؟ 

فعلا عزيزي القارئ, هناك العديد من المُدن المفقودة. وقد تعددت أسباب الفقدان, حيث كثيرا ما تُفقد المدن بمفعول العامل الزمني أي أنها تكون في الأصل غير مأهولة بشكل كبير بالسكان وتُهجر فيما بعد لأسباب اقتصادية تتعلق بالبحث عن موارد لضمان البقاء.

ويمكن أن تُفقد المدن كذلك بفعل الحروب, حيث أنه وتحت وطأة الحرب تُباد مناطق أو يقع ضمها إلى مدن أخرى فلا يعود لها وجود مستقل بذاته بل بكونها أصبحت منطقة أو جزء تابع لمدينة أخرى. 

كما تُفقد المدن أيضا بفعل الطبيعة وكوارثها والمناخ واضطراباته التي تفعل فعلها في الإنسان والمعمار والنبات. فمن ينجو منها يرحل عنها ويهجرها دون رجعة حتى يغيب المكان في غياهب التاريخ والزمان. حتى تُحيي ذكراه رغبة بشرية جامحة،بعد سنين، مع تطور وسائل البحث وتقدم العلوم خصوصا علوم الآثار والحفريات وبتقصّي القصص والأخبار التي ترويها الكتب حول الأحداث التاريخية. يساعد كل هذا وبشكل كبير في اكتشاف المدن والأماكن المفقودة وإعادة صياغة حقيقتها وقصتها. 

"بومبي" مثلا إحدى المدن المفقودة التي ابتلعتها الكوارث الطبيعية ومعها الذاكرة لفترة من الزمن. وهي مدينة إيطالية تأسست حوالي القرن السادس قبل الميلاد. "الأسكان" هم سكانها الأصليين.

كشفت الحفريات عن طريق دراسة الأجزاء القديمة من "بومبي" وعيّنات من حفر قريبة  من طبقات مختلطة الرواسب  أنّ المدينة عانت كثيرا من الهزات الأرضية والزلازل، كما كانت على مقربة من الحمم البركانية التي كانت تهدد أمنها واستقرارها.

لكنها رغم ذلك كانت مدينة أرستقراطية غنية الموارد، مزدهرة، وقد شكلت مركزا تجاريا مهما جنوب روما و كان لها ثقلا سياحيا مميزا، إذ كانت وجهة السياح من كل أنحاء العالم لما توفره من مظاهر المتعة والبذخ بفضل موقعها الجغرافي الكامن أسفل جبل "فيزوف" وكأنها تحت حفظه وحمايته.. قبل أن ترى وجهه الآخر البركاني الذي سيُودي بالحياة فيها إلى الاضمحلال تحت حِممه لسنين طويلة.  

ففي ظهيرة 24 أوت من العام 79م، كان بركان "فيزوف" قد بدأ بالثوران محدثاً سحباً متصاعدة من الدخان الذي حوّل نور النهار إلى ظلام ينبأ بكارثة حاصلة لا محالة. سبّب هذا الوضع المخيف قلق وذعر السكان، منهم من لجأ إلى الاحتماء بمنزله ومنهم من رأى في البحر طوق نجاته فاحتمى به ومنهم من قرر الرحيل كليا عن المدينة. ووقعت الكارثة وانفجر البركان في ذلك اليوم قاذفا أطنانا من الحمم البركانية والرماد والغازات على ارتفاع 20 كلم.

وقد ابتلعت الحمم البركانية معظم المدينة بحيوانها ومعمارها وبشرها الذين تحولوا إلى جثث متحجرة. لقد طمرت النيران المدينة المنكوبة. في ذلك اليوم توقفت الحياة في "بومبي" إذ استمر "فيزوف" في رجم المدينة حتى ساعات متأخرة من الليل.

لقد كانت مدّة كافية لإبادة سكان المدينة عن بكرة أبيهم بعد انهيار الأعمدة البركانية التي شكلت سيلا من نار ورماد ينساب من فوهة البركان نحو المدينة بمبانيها وكل حي فيها بسرعة قياسية. أغرقت وجه "بومبي" المدلل الذي كان يعج بالسلطة والمال والبذخ قبل يوم من الكارثة. 

غابت المدينة عن الوجود لقرون طويلة بعد انفجار البركان، بلغت ال16 قرنا حتى تم كشف وجهها أخيرا سنة 1748 بعد أن أُزيلت أطنان الركام البركاني، لتطفو المدينة على السطح هيكلا حجريا صامتا بلا روح. لكن صمته ذاك يحكي الكثير من قصص تاريخ "بومبي" وسكانها والحياة فيها. وأُعيد ترميمها وهيكلتها وأصبحت اليوم مزارا سياحيا من أهم وأشهر المزارات في العالم. لما تدور حوله من قصص وحكايا حول المدينة وسكانها و البركان وطبيعة الحياة التي كانت فيها من قبل. 

 

إقرأ أيضا : 

ممفيس المدينة الفرعونيّة الضائعة

البتراء : المدينة الضائعة

 

   

 

 

 

 

شارك المقال

ماذا تعرف عن "بومبي المدينة الإيطاليّة المفقودة" شاركنا بها في التعليقات

الحنايا و معبد المياه بزغوان تونس
من زار تونس و كان له الشرف في زيارة مدن الشمال فحتما قد وقعت عيناه على معلم هندسي غريب ليس بالمعهود...

عرض المزيد ...

"أهل الكهف" في تونس!!
"شنّنّي" قرية جبليّة قديمة تمتدّ في عمق الجنوب التونسي بولاية تطاوين استوطنها الأمازيغ منذ آلاف السنين واتخذوا ...

عرض المزيد ...