في فجرٍ شتويٍّ، وتحديدًا في الرابع عشر من ديسمبر، في بداية الألفيَّات، لم يستطع ذلك الشابُّ النوم. غير أنَّه اختار أن يُودِّع المدينة ماشيًا في شوارعها؛ المدينةَ التي لم يكن يريد القدوم إليها يومًا، ولكنَّ القدر والعمل أجبراه على المجيء إليها.
انطلق في رحلته الوداعية. كان ذلك الفجرُ فجرَ آخرِ يومٍ يقضيه هنا، بعد أربع سنواتٍ من العمل في جنوب هذه البلاد. أحسَّ ببُرودة الطقس، تمامًا كما كانت حياته باردةً، وقرَّر أن يتَّجه إلى المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه. لكنَّ الأمر هذه المرَّة كان مختلفًا؛ سيتذوَّق قهوته الأخيرة هنا، وسيجلس على كرسيِّه الخشبيِّ المفضَّل للمرَّة الأخيرة.
وطئت قدماه المقهى، وكان صوتُ أمِّ كلثوم يملأ المكان. وعلى عكس الشوارع الباردة القاتمة في الخارج، كان صوتُ "السِّت" يجعل المكان دافئًا، مُضيئًا، وكأنَّه يهب الحياة دفئًا لا يُرى.
جلس، وما هي إلا لحظاتٌ حتى أتاه النادل بقهوته المعتادة، تلك التي لا يعرف السكرُ طريقًا إليها. وكانت أنغام "إنتَ عُمري" تفيض في الأرجاء بمشاعرَ لا تنضب. ولحسن الحظِّ، كان المقهى خاليًا تمامًا؛ لا يجلس فيه سوى النادل المقابل له.
أخرج علبة السجائر، وأشعل منها سيجارته الأولى، ثم خطر له أن يُفكِّر في موعد الغد... موعده مع إيميليا.
تلك الشابة التي عرفها منذ قدومه إلى هذه المدينة، والتي جمعته بها سنواتٌ من الودِّ والحب. غير أنَّ مراسلاتهما انقطعت منذ عام، ولم تعد لقاءاتهما كما كانت قط. كانا قد اتَّفقا على أن يلتقيا صباحًا، ليصارحها بأنَّه يتمنَّى أن تعود علاقتهما كما كانت، بل لعلَّها تصبح أجمل ممَّا مضى.
وفي خضمِّ هذا التأمُّل، انساب صوت أمِّ كلثوم وهي تُغنِّي:
«رجَّعوني عينيك لأيَّام اللي راحوا...»
وفعلًا... أعادته الذكرى إلى تلك الأيَّام.
تذكَّر رسائلهما التي لم تكن تهدأ، ومواعيدهما المسائية بعد انتهاء عمله، والأحاديث التي كانت تمتدُّ ساعاتٍ، فلا يشعران بمرور الزمن. تذكَّر الغزل، والضحكات، وكلَّ الذكريات الجميلة التي سكنت روحه أكثر من أيِّ شيءٍ آخر. كانت إيميليا هي السبب في أن تتغيَّر مشاعره تجاه هذه المدينة؛ فأحبَّها لأنَّها مدينة إيميليا.
واستعاد في خاطره لقائهما الأوَّل، وكلُّه أملٌ في أن تعود تلك الأيَّام؛ إذ كان على يقينٍ بأنَّ الأمور ستسير كما يشتهي هو... وكما يشتهي قلبه. وكانت عيناه تتمنَّيان لو تُبصران إيميليا في تلك اللحظة، فلم يعد يطيق انتظار الصباح، ذلك الصباح الذي ظنَّه سيأتي إليه بحبيبة قلبه وروحه.
وإذا بعينيه تلتقيان بعيني النادل، الذي كان يعلم القصَّة كلَّها، ويُعدُّه صديقًا مقرَّبًا. كان هو أيضًا قد لاحظ أنَّ المواعيد انقطعت منذ عام. فحاول الشابُّ أن يُخفي ما في عينيه من ذكرياتٍ أعادته إلى أيَّامٍ طالما كانت مصدر فرحه، ثم غدت اليوم وجعًا لا ينتهي إلا برؤية إيميليا من جديد... أو بابتسامةٍ منها، تلك الابتسامة التي كانت تفتح شهيَّته للحياة بأسرها.
تغيَّر لحن حياته، كما تغيَّر لحن الموسيقى في المقهى، وإذا بعبد الحليم حافظ يصدح بصوته:
«أهواك... وأتمنَّى لو أنساك، وأنسى روحي وياك... أشتاقُ لعذابي معاك.»
وكانت أغاني تلك الليلة تحكي عنه وسط الصمت السائد، كأنَّها تعرف قصَّته أكثر ممَّا يعرفها هو.
وتذكَّر كيف كان ينتظرها في نهاية الشارع، لينطلقا معًا في جولةٍ طويلة، يتحدَّثان فيها ساعاتٍ تمرُّ كأنَّها ثوانٍ.
وكان يقول في نفسه:
«أهذا ما لقيتُه بعد كلِّ تلك المودَّة؟»
فقد انتهت القصَّة من طرفها دون سابق إنذار... ودون سببٍ البتَّة. وشعر أنَّه لم يكن يستحقُّ هذا الجفاء بعد كلِّ ما منحها من مودَّة، وأنَّ روحه التي أحبَّتها بالأمس، تُعاني اليوم جراحًا كان سببها هي.
مضت الساعات، وانتهت علبة السجائر كما انتهى صبره. ثم أقبل الصباح...
دقَّت الساعة الثامنة.
وانقضت.
لكنَّ إيميليا لم تأتِ.
تخلَّفت عن الموعد.
وبدا أنَّ الجفاء قد تجاوز حدوده، وأنَّها مضت في حياتها، بينما ظلَّ هو أسير أمرٍ حرمه النوم، واستنزف قلبه، وشغل فكره.
بكلِّ بساطة...
رحلت إيميليا.
ولم تعد.
وتخلَّفت عن الموعد الأخير...
عن الأمل الأخير.
وساد الصمتُ روحه.
الموعد الأخير...
والتخلِّي الأخير...
والقهوة الأخيرة...
والمشهد الأخير...
في المدينة التي جاءها شابًّا في عنفوان عمره، وسيغادرها اليوم مسلوبَ الرُّوح والعاطفة.
ضاع...
كما لم يضع من قبل.
وأصبح عاجزًا عن التفكير، يغمر الحيرةُ محيَّاه، ويكسوه الاستغراب.
ولو نظرتَ إلى عينيه آنذاك، لقرأت فيهما سؤالًا واحدًا:
«أهكذا تُودِّعين خليلك؟ أهذا ما سوَّلت لكِ نفسُكِ؟ أَهكذا تُكافئين مَن أسعد روحَكِ سنينًا؟»
التعليقات